الجمعة، 14 يناير 2011

قراءة في قصيدة ( مرآة ३०९) للشاعر راسم المدهون



مرآة 3०९
للشاعر راسم المدهون
حين أمشّط نعاس مرآتك
بقلق عيني00
ثمة سهر يتساقط00
دافئا كالرغبات النيئة00
أقمار تثمل في مداراتها
فتخرج طائعة
إلى سماواتك اللازوردية
وعلى خدودها
حنّاء أعراسها00
حين أمشّط نعاس مرآتك
ترتخي أصابع الغبطة
كرايات منكسة في سارية شفاه
في عاصفة القبل00
ما الذي يحدث سيدتي
في المسافة بين نعاسي ونعاسك ؟
ولماذا كلّما مشّطته
تفرُ جدائلك نحوي
مثل ثعلب يعدُ على أصابعه
حبات عنب
في ذاكرة الصيف ؟
وأنا ثعلب الفصول المشتعلة
بعناقيد تلمع ألوانها في لسان يابس
وحنجرة تصدح بموسيقى اللهاث00
مشّطت شعر نعاسك
ليلة بعد ليلة00
وألفت نهود الغجريات
في رقصهن
وسعال شيخكم
عند بوابة مرآتك
لكنني لم أعره انتباهي00
كان وقتي من ذهب
ونعاس
وكانت أصابعي تتململ
ضائعة في بيادر قميصك الوردي00
سيدتي00
ماذا يمكن لأصابع من غبطة
أن تفعل
في حقول النار ....
العناوين هي العتبات الأولى التي نتجاوزها للدخول إلى النصوص لهذا تشكل العناوين أحيانا أيد تجذب القارئ وتجلسه عنوه أمام النص ليقرأه ॥ مررت على هذا العنوان عدة مرات، قرأت القصيدة ثم قلت لنفسي لا تلبثي طويلا امام (مرآة 309) ولا ادري لماذا ربما لأنني لم أكن على استعداد للاقتراب لقراءة القصيدة كما يليق بها وباسم كبير كاسم الكاتب الفلسطيني (راسم المدهون) بتعدد نتاجه وتنوعه... لكني عدت ثانية لاقترب من النص ليس كناقدة طبعا فأنا لا أجيد النقد ولكن كقارئ أمسك به العنوان وأجلسه عنوة أمامه.....
دائما أشعر ان المرايا هي غواية تقودنا للرغبة في الفرار نحو شيء ما، تلك المرايا التي حلمت أنني أخترقها لاعرف امتدادها الحقيقي في داخلي أولا...المرايا التي كانت تشبه البُعد الرابع للقلب المفعم بالحب أو القادر على النبوءة ...
( مرآة 309 ) عندما رأيت العنوان لأول مرة رأيته بابين... أحدهما ندخله فتتوارى الجدران وتأتي المسافات حاملة في داخلها ابعادا تتناسل فتولد ابعادا جديدة ... باب لا يقف عند حد كالمسافة التي نقيسها بعيوننا في الأفق ونحن نقترب من قمر صاف في مساء بلا غيوم.... والباب الآخر يختص بالزمن المستحيل... زمن اصحاب الكهف وهم ينشدون الخلاص بما حصلوا عليه من (إيمان) فيأخذهم الكهف إلى موتهم الجميل... ذلك الذي ينعمون به بحياة طويلة جدا لكنها قصيرة جدا في آن معا... (يوما أو بضع يوم) لكنه زمن امتد 309 ثم... هو زمن لا ينتهي فنحن لازلنا نقرأ قصتهم.... ولازال الباب الذي ولجوه إلى كهفهم حاضرا ...فماذا أراد الشاعر في هذا العنوان الذي يشطل قصيدة بحد ذاتها ؟
(حين أمشّط نعاس مرآتك
بقلق عيني00
ثمة سهر يتساقط00
دافئا كالرغبات النيئة00)
تتلاحق الصور لتقربنا من العنوان ومن الشاعر... وكأن تلك الكلمة (حين) التي تحمل في طياتها الزمن كامتداد ما لحالة سابقة تخيط لحمة الكلمات مع العنوان لتشكل ما يقدمه النص فيما بعد... الصور التي بدأ بها الشاعر قصيدته صور متلاحقة تمسك بالقارئ لتأخذه تماما لقلب الشاعر وعينيه ومخيلته التي تحمل حباً من الصعب الوقوف على تفاصيله... لكننا نستطيع ان نجمع من طيات الصورة الكلمات التي تشكل الحكاية (القلق، السهر، الرغبة، الدفء، العيون،النعاس، النيئة) كلها كلمات لا تبتعد عن قصة حب حقيقية وليست عابرة أو مكررة خصوصا إن كانت تصدر عن قلب شاعر.. لنقرأ
أقمار تثمل في مداراتها
فتخرج طائعة
إلى سماواتك اللازوردية
وعلى خدودها
حنّاء أعراسها00
تتلاحق الصور لكن ليست بالسرعة التي يشعر بها القارئ العادي وهو يقرأ ولكن ببطء شديد كما لو كانت تختزل حياة كاملة في مساحة قصيرة هي امتداد الكلمات على الصفحة البيضاء....فمن المرآة يبتعد الشاعر إلى غور أبعد بكثير مما تعكسه ... غور يجيء بالحبيبة ليعيد رسم صورتها بحجم يخترق الكون ليأتي بأقمار في مداراتها...وسماوات لازوردية .... وكأن الحبيبة أصبحت بالنسبة له كون يحيط به فيعيشه بعشق... وكأننا به هنا اقترب من المرآة حد الضياع فيها واقترب من (309) حد إعادة تشكيلها بما تعكسه من ذاته...
حين أمشّط نعاس مرآتك
ترتخي أصابع الغبطة
كرايات منكسة في سارية شفاه
في عاصفة القبل00
يرتد الشاعر من الابتعاد في المرآة ليعطي صورة أخرى للاصابع (تلك التي سينهي بها قصيدته بسؤال حارق...) ترى ما هو آخر ما يفكر به العاشق قبل أن يأخذه النعاس ؟؟ كيف تأوي عاشقة إلى سريرها ليلا إن كان ثمة مسافة تفصلهما ؟؟ ماذا نأخذ إلى وسائدنا ؟؟؟ إلى أحلامنا ؟؟؟ إلى اجسادنا التي تضم إليها شوقها ؟؟؟؟
ما الذي يحدث سيدتي
في المسافة بين نعاسي ونعاسك ؟
لم يكن هذا سؤال بقدر ما هو تحسس للمسافة في بعدها الزماني والمكاني ؟ هل هو عتب ؟؟ ذلك الذي ينشأ بين عاشق يعرف مقدار عشق وآخر قد يجهله ؟؟؟ أم هو إلتفات يقظ لما يحفره الحب في وجدان إنسان حقيقي يعترف أن المرأة/ الحب أهم من الشعر أحيانا ؟؟؟ مالذي يحدث يا سيدتي في المسافة بين (نعاسي ونعاسك ) ؟؟ السؤال حيره لكنها حيرة واعية وشجاعة
ولماذا كلّما مشّطته
تفرُ جدائلك نحوي
مثل ثعلب يعدُ على أصابعه
حبات عنب
في ذاكرة الصيف ؟
في هذه القصيدة التي تشبه الرمال المتحركة كلما ظننا اننا وقفنا على كلمة ما غارت في عمق ابعد من الكلمة التي تليها لا يجب أن نركن لما قد نفهمه من الكلمات بل علينا أن نعيد القراءة ونعيد اكتشاف الدلالات .... فالجدائل التي تفر نحو الشاعر كدلالاة للاقتراب.. تنقلب لتعطينا صورة اخرى مغايرة لثعلب لا يستطيع الوصول إلى ما يريد... لكن من هو هذا الثعلب ؟؟؟
وأنا ثعلب الفصول المشتعلة
بعناقيد تلمع ألوانها في لسان يابس
وحنجرة تصدح بموسيقى اللهاث00
تأتي الاجابة سريعا... (وأنا ثعلب الفصول المشتعلة) وكأنه يحصي خيبته المرة في المسافة ... المسافة التي تفصله عن الحبيبة ...عن الليل والنعاس والصباح الذي يجعل من العناقيد لامعة ألوانها في (لسان يابس) و(حنجرة تصدح بموسيقى اللهاث) ترى هل هو اخلاص الشاعر ؟؟؟ هل يوجد اخلاص حقيقي في هذا الزمان ؟؟؟ (اللسان اليابس واللهاث) دليل على عدم الاقتراب من تلك العناقيد اللامعة في الفصول المشتعلة لكن ليس كما قد يوحي النص بعدم قدرة (الثعلب على الوصول) ولكن ...
مشّطت شعر نعاسك
ليلة بعد ليلة00
وألفت نهود الغجريات
في رقصهن
وسعال شيخكم
عند بوابة مرآتك
لكنني لم أعره انتباهي00
تأتي الاجابة لتقول (مشطت شعر نعاسك ليلة بعد ليلة) وكأنه بهذا يعطينا صورة أخرى لعاشق لا يستطيع الوصول إلى حبيبته إلا عبر (مرآة) وربما حلم و(نعاس) فكل شيء يكمن هناك في بُعد لا يدركه حتى من يحرسه (سعال شيخكم عند بوابه مرآتك) لكن الشاعر برقة مشاعره وقدرته على اختراق المسافات والابعاد يستطيع الصمود في وجه كل شيء إن كان حبه حقيقيا ... كالايمان الذي فر به قوم 309 سنة ... فهو بصدقه وجرأته يصرح (لكني لم أعره انتباهي) .....
كان وقتي من ذهب
ونعاس
وكانت أصابعي تتململ
ضائعة في بيادر قميصك الوردي00
هنا الاجابة على سؤالنا عن الثعلب واشكالية الوصول...وكأن الشاعر اخترق المسافة والمرآة وكل البوابات ليقترب من حبيبته ليضع قوانينه هو لا قوانين وضعت له ... ليؤكد على ما يريد فالحب الحقيقي هو الذي يخترق ويتجاوز لا ذلك القابع في الاحتمال والممكن ....
سيدتي00
ماذا يمكن لأصابع من غبطة
أن تفعل
في حقول النار
انتبه الشاعر من نعاسه في كلمة اخيرة (سيدتي) تلك الكلمة الجادة التي توحي بيقظة كاملة لتعيد القارئ إلى البداية وتوقظه من نعاسه ليقترب من الشاعر ومن القصيدة ومن طرفيها ليفتش عن اجابة لهذا السؤال الذي سينهي به القصيدة (ماذا يمكن لأصابع من غبطة أن تفعل في حقول النار ؟؟؟ ) سؤال رائع فالاصابع التي من غبطة لا يمكن أن تكون إلا لعاشق فائق الرقة والعذوبة عاشق مرهف الاحساس وحقيقي المشاعر....

· بقي أن أقول ان هناك مرايا أخرى للشاعر وبارقام مختلفة لكني توقفت هنا ... فهذه المرآة كما قلت جذبتني بطرفي العنوان واجلستني عنوة أمامها.... شكرا للشاعر .








ليست هناك تعليقات: