
طائشٌ حتى الإزرقاق
إلى وفاء عناني
الخمسونُ . .
تهرعُ متلألئةً للغوايةِ
يحسبها الآخرون مذكَّراً
وأنا أُحيطُ بي _ على شاطئين
من زرقةِ البرقِ _ مؤنَّثةً .
هادئا لا أُجمعُ
نقيّاً لا أفيءُ
بينهما أقفُ
عظيماً بين هاويةٍ إلى الفناءِ
وسدرةٍ إلى الجنون .
الخمسون . .
تثيرُ الحزنَ كلَّما تنفَّـسَتْ
ببطءٍ ساهرٍ على شرفةِ _ (وراءَها) _ المستيقظةِ .
الخمسون . . !
أنتَ تحوَّلتَ إلى مطيعٍ لميولي وهَنَاً ،
مباركٌ أنتَ
جسيمٌ كمعرفتي لبشاعةِ الريحِ
التي تبحثُ عنّي في زفراتها .
يا صداي البعيد !
سأُبعثُ . .
يميني معجزةٌ على صفحةِ النبع
يساري تفاؤلٌ ،
وعرشي عالقٌ بين فَكَّيْ اضطرابين ببحرٍ
شُقَّ لكي تُطْبِقَ عليَّ ربةُ الموج
كفراشةٍ _ ينفجرُ الضوءُ ليبدِّدَ غوايتَهُ لها _ .
* * *
قال :
لن تكون شاعراً ما لم تته بمساحةٍ
لا تتجاوزُ أنملة .
سأداعبُ كلَّ ما مضى من قصائدي الحكيمة
وأقولُ لهنَّ :
تحطَّمنَ على مسافةٍ لا تتعدّى أنملة ،
يا قلبي العزيز
كأنَّني أمتلكُ مئاتٍ غيرَك . . فأعبثُ بك ،
وأُتْلِفُ في مهبِّ الرياحِ أوراقَك
فكنْ بحجمِ أنملةٍ
واستردَّ هيئتَك التي . . عندما آويتُك إليَّ
وأنا في رحمِ أمي
صغيرا بحجم أنملة ،
إنّي مُنزِّلٌ عليكَ زنبقةً يعرفها الله
وزنبقةً لو عرفتني لصرتُ
ماءً لألوهةِ شكِّها بيقيني ،
الدهرُ لم ينتِجِ الخمسينَ جُزافاً ،
إن أوَّلَ الأشياءِ سماويٌّ
فابْكِ يا قلمَ العُبابِ على أعماقي
التي شربَتْ كلَّ كياني بجرعتينِ عَذَّبَتْ بهما
ناصعَ الشِّعرِ عشراتِ الأحوال ،
غايةً في القِدَمِ
وغايةً في القُدوم ،
فكلّما أُخرجتُ . .
أسيرُ وحيداً دون مفاصلَ
متهيّئاً . . لأناسبَ رؤايَ مع البحر
في ركائزَ غير ثابتة ،
لست أدري هل أنا أثرٌ ؟
أم الأساطيرُ تعكسني
بين ظمئي وتلهُّفي للهلاك ،
تلاعبْ أيها المِدادُ
فإنني طائش طائشٌ حتى الإزرقاق .
الشارقة
29-11-2005
شاهر الخضرة
عندما نقرأ شاهر الخضرة علينا أن لا نقرأه منفصلا عن مكونات ذاته الشاعرة أولا بعيدا عن لعبة التخفي التي يجيدها للتماهي مع الأشياء والغوص في ثناياها.. هل يتوقف شاهر الخضرة - في رحلاته نحو تجاوز السائد والعادي وقلب الحروف الراكدة - لينظر حوله ؟؟؟ لا اظن ذلك.
في قصيدته (طائشٌ حتى الإزرقاق) المهداة إلى الصديقة (وفاء عناني) نستطيع أن نتلمس رحلة شعرية شيقة وكأنها بانوراما لحياة مفعمة بالبحث ذلك البحث الشاق عن الذات في اللغة وعن نبض الشعر وعن نبض القلب أيضا...
مفصلان لا بد أن نبدأ بهما القصيدة حتى لا يذهب القارئ العادي في ظنه الجاهل بالقصيدة وبالشاعر وبمن أهديت إليها إلى إرداء القصيدة وقتل النبض فيها لصالح فهم ساذج سطحي .
الأول هو تلك الدلالة القوية لكلمة (الخمسون) التي تكررت في القصيدة 4 مرات والتي سنأتي على تفصيل ذكرها ودلالاتها العميقة في النص.
الثاني هو الاهداء وعلاقة (وفاء) بالقصيدة والتي سنتحدث عنها في حينه.
(( الخمسونُ . .
تهرعُ متلألئةً للغوايةِ ))
بدأت القصيدة بكلمة (الخمسون) كلمة مفردة أتبعت بعدة نقاط وكأنها ايحاء لاهمية هذه الكلمة، لامتدادها الزمني والكتابي، كلمة بقيت مفردة في سطرها وكأنها تحيط بهالة مقدسة من الثقل والمكانة ... وكأنها تطلع علينا من أعماق الشاعر ومن ذكرياته وأيامه ... وكأنه يقلب فيها كل مفاصل حياته السابقة، وكأنه يمر بها على أيامه يوما يوما، وكأنه يحاول أن يهئ الفضاء لكلماته القادمة، يهيئ المتلقي الغائب عن ذهنه لكنه حاضر في لا وعيه، ليسر إليه بكنزه الثمين، وهاهي النقاط التي تفتح المدى نحو القادم، تنتهي ليبدأ الرقص، ذلك الذي أعده الشاعر في ذهنه ليقوم برحلة أخرى من رحلاته الشعرية الجميلة، (تهرع/متلألئة/الغواية)
كلمات الشاعر منتقاه بعناية لتضم ذاته الشاعرة مع الذات الأخرى الحقيقية، فكلمة (تهرع) بها حركة تناقض الصمت المثقل الذي حملته كلمة (الخمسون) وكانها فاتحة للرقص وفاتحة للجنون، متلألئة ..إذا هي بداية أخرى، خمسون أخرى لكنها خمسون مختلفة عما سبق، لكن بأي مفهوم ؟؟ عندما تقدم الشاعر بالخمسين الأولى تقدم بها نحو النضج ولكنه هنا يتقدم بها نحو (الغواية) والغواية قد تعني الفساد والخيبة بعكس ما يظن البعض من أنها تعني التألق والمضي نحو مباهج الحياة... هل يندب الشاعر الخمسين القادمة أم هو يمجدها ؟؟ من الصعب الحكم قبل المضي قدما نحو القصيدة كاملة، بل وبعد إعادة قرآءتها مرات ومرات، فالشاعر تعود في شعره أن لا يقف ساكنا أو يمشي في خط مستقيم، تعود قلب الاشياء والسعي وراء استدارتها فهل استدارت
(الخمسون) لتتقدم نحو الخيبة ؟؟؟
يحسبها الآخرون مذكَّراً
وأنا أُحيطُ بي _ على شاطئين
من زرقةِ البرقِ _ مؤنَّثةً .
لماذا أحضر الشاعر كلمة (الاخرون؟؟) ولماذا يظن بالاخرين أنهم لا يدركون هذه (الخمسون) ؟؟ ولماذا جلب كلمة (مذكر) و(مؤنث) وكأنه يدرك أختلاف خمسينه عن اعمار البشر جميعا، فكلمة (الاخرين) كلمة مفتوحة وفائقة الامتداد لتشمل كل ما عداه، ثم لماذا يحسبها الاخرون (مذكرا) وكلمة مذكر ترمز لكل ما هو شديد وصعب وقاس ؟؟ لماذا ظنو بها كل هذا الظن ؟؟ وكأن الشاعر بهذه الكلمات ينفي عن (الخمسون) ما ظنه بها الاخرون، وكأنه بهذا يدافع عنها ويقول أن تلك الخمسون (الخمسون السابقة) لا تعادل ما سيأتي وما يراه الاخرون لا يعد شيئا بالنسبة لما آراه انا، فأنا ( وأنا أحيط بي) ونتوقف هنا قليلا مع الشاعر لنقترب قليلا من عالمه الروحي والشعري معا، في هذه العبارة قسم الشاعر ذاته الى نصفين (أنا / بي) وأنا ضمير منفصل ، ضمير يوحي بالاستقلالية والنفوذ بينما أتت (ي) ياء المتكلم ضميرا متصلا يدل على الاتكاء على الاخر والتعب، فهل أراد الشاعر من هذا التعدد في استخدام الضمائر برابط كلمة (أحيط) تلك الكلمة الممتدة والتي تحمل في طياتها معنى الاحاطة والاتساع، هل أراد أن يعطينا صورة لذاته المضطربة ؟ لذاته المنفصلة ؟؟ لخمسينه القادمة والسابقة ؟؟ للمذكر الصعب والغائب والمؤنث الرقيق الحاضر ؟؟ ثم هل تصلح كلمة المؤنث هنا للدلالة على أنثى حقيقية ؟؟؟ وأين هي في ذات الشاعر أم في عقل القارئ ؟؟ أم في سطحية الكلمات الملقاة على كاهل القصيدة باهمال ؟؟؟؟
(شاطئين) إذا هناك امتداد وعمق وماء ولجة، هناك انفصال واتصال، هناك ثبات وهناك فقد للاتزان، شاطئين منفصلين بينهما امكانية للغرق.. ترى لماذا شاطئين ؟؟؟ وسوف اسجل هنا ملاحظة اعود اليها لاحقا وهي أن التعدد في حياة الشاعر اصبح سمة (في هذه القصيدة على الاقل) كنوع من الحيرة والرغبة المكبلة بالانعتاق ... كأنه ايضا يعتب على الخمسين تلك التي قيدت الروح بإمكانيات الجسد، الملاحظة هي ثنائية (زنبقة يعرفها الله وزنبقة لو عرفتني/غاية في القدم وغاية في القدوم/ اضطرابين ببحر/ جرعتين/ هاوية إلى الفناء وسدرة إلى الجنون) فهل هي الخمسون أم هو الشاعر المكبل لهذه الثنائية ؟؟ وما هما قطبي هذه الثنائية ؟؟ (المذكر/ المؤنث) الثنائية التي عبر عنها صراحة بكلمات تحمل في ذاتها التناقض والاختلاف والتمايز الحقيقي في الكون كله
- على شاطئين
من زرقة البرق – هذه الجملة المعترضة ما بين (ظن الاخرين / وعلمه بنفسه) ما بين التناقضين (المذكر والمؤنث) لماذا اختار الشاعر هذا اللون (الزرقة) ليكررها في ثنايا القصيدة ككلمة (زرقة البرق/طائش حتى الازرقاق) وكرمز ودلالة (فالمداد والبحر والحزن والموج وسماوي) كلها كلمات تحمل الارزق في طياتها، فهي تشبه الخمسين، بالامتداد والحيرة والسكون والحزن، كلها كلمات تشكل حياة الشاعر على امتدادها، البرق هنا الكلمة الوحيدة التي تعنى بالحركة السريعة الوامضة فلماذا بدأ الشاعر بزرقة البرق ؟ وهنا الزرقة تعني الامتداد والمطلق ولا تعني السكون او الحزن... أظن ان هذا راجع لما يراه الشاعر في خمسينه القادمة او تلك التي يراها ...ذاهبة أو آتيه لا فرق طالما أن الشاعر لا يريد الافصاح عما لهذه الخمسين من قوة (مذكرا) وضعف (مؤنثا) ويجدر ملاحظة ان ما يراه الاخرون قد لا يدركه الشاعر في ذاته لكنه حقيقي وما يراه الشاعر في ذاته قد لا يدركه الاخرون لكنه حقيقي ايضا أي أن المعرفة الخارجية والداخلية متبادلة والمذكر والمؤنث مختلطان ايضا، هي التناقضات التي جمعها الشاعر عبر كلماته وعبر قصيدتة الجميلة
ينتهي المقطع بنقطة تغلق هذا البيان العميق والسمفوني الذي جلجل به صوت الشاعر عبر كلماته نحو ما يراه من عمق في كيانه، وهنا تجد الاشارة أن هذا المقطع منغلق على ذات الشاعر ولا شأن له بما يظنه القارئ، هذا المقطع يشبه أن يصرخ الانسان في صحراء لا يوجد بها أحد وهو يدرك هذا تماما، أو أن يصرخ في ذاته الداخلية دون أن يراه احد، مقطع لا نستطيع ان نقول عنه سوى أنه رائع في الاقتراب من الذات والانفصال عن الاخر بعمق وجداني وروحي وامض وحاد (كالبرق) لا ندرك معه ابعاد السماء التي تشبه في حينها تشعب اوردة جسد ثائر، هل هذا ما أراده الشاعر؟ أن يقترب من ذاته في تلك اللحظة الخاطفة ليرى ويدرك بعيدا ونائيا عن الاخر ؟؟؟ اجزم ذلك بدليل ان المقطع التالي انتقل به من وصف عمر الشاعر الزماني إلى وصف ذات الشاعر في عمقها الروحي
(هادئا لا أُجمعُ
نقيّاً لا أفيءُ
بينهما أقفُ
عظيماً بين هاويةٍ إلى الفناءِ
وسدرةٍ إلى الجنون .
(الهدوء الذي ينصب على (الحركة والصوت) بدليل كلمة (لا اجمع) والجمع هنا بمعنى الاسر فذات الشاعر منطلقة رغم هدوئها لان الانطلاق هنا ليس انطلاقا جسمانيا وهذا ما اكدته الكلمات التي تصب الشاعر، فعندما تغيب الحركة والصوت اي البعد الفيزيائي للانسان ينطلق منه بعد آخر أكثر حرية وانطلاقا،
من يستطيع أن يجمع الصوت أو الحركة ؟؟؟ بعد ان اخمدهما الهدوء ؟؟ هل في هذا تحذير من الشاعر لمن حوله ؟؟؟ نقيا لا أفيء) والنقاء ككلمة مع كلمة افيء تدل على سلامة الضوء فالفيء هنا يحمل في ذاته التحول والزوال والظل وهذه كلها تتنافى مع ثبات الشاعر وثبات نوره الذي يراه،
بينهما اقف ( من هما ؟؟ ) الهدوء والنقاء ؟؟ والى ماذا يرمز الهدوء والى ماذا يرمز النقاء ؟؟ وهل هما مختلفتا الدلالة ؟؟ ثم لماذا يقف الشاعر بينهما و الاحرى انهما متماهيتان به ؟؟؟ جدير بنا التوقف للتدقيق بما اراده الشاعر لكنا سنتجاوز هذا الى حال الشاعر
(بينهما اقف) والوقوف بين اختلافين يعبر عن الحيرة والرغبة المكبلة بالاختيار والانطلاق... عظيما... هل يدرك الشاعر عمق الخمسون التي اوصلته لهذه العظمة ؟؟ أم هي عظمة امتلاكة لهذين التناقضين ؟؟ ثم لماذا ظهرت هذه العظمة بين (هاوية الى الفناء) و (سدرة إلى الجنون ؟؟) اجزم ان الشاعر في ثنائيته يعاني الحيرة ويعاني الرغبة في الانطلاق والرغبة في المكوث، يستطيع القارئ ان يضع لهذين الحدين الكثير من التعريفات التي تناسبه لكن ما يناسب الشاعر لا يفصح عنه بسهولة فالشعر عنده هو الغموض والتحدي وزئبقية التواجد، هو التخفي بابهى صوره،
(هاوية) التي تعني السقوط و التردي (سدرة) التي تشكل أقصى ما يمكن الوصول اليه في العلو، ومابين (الفناء) الموت و(الجنون) الحياة نقف مع الشاعر في حيرته لنعود لنصغي الى ابتعاده في ذاته وحيرته،
الخمسون . .
تثيرُ الحزنَ كلَّما تنفَّـسَتْ
ببطءٍ ساهرٍ على شرفةِ _ (وراءَها) _ المستيقظةِ .
يعود الشاعر الى وصفه للخمسين ولكن هنا بحنو وتأمل وكانه يجلس معها ويراقبها بتفاصيلها، (تثير الحزن كلما تنفست) كلمات تقربنا من الشاعر في عمق احساسه بالسنوات فهو يراقبها ويحنو عليها ويصغي لحزنها ويحرسها ولكنه في ذات الوقت يحلم بشيء يعيد لها القها (فكلمة وراءها) قد تعني امامها.
الخمسون . . !
أنتَ تحوَّلتَ إلى مطيعٍ لميولي وهَنَاً ،
مباركٌ أنتَ
جسيمٌ كمعرفتي لبشاعةِ الريحِ
التي تبحثُ عنّي في زفراتها .
الخمسون هنا اتبعت بعلامة تعجب لان الشاعر بها استدار ليعطي لها المبادرة وقيادة الحديث وادارته...هنا الخمسون هي الفاعل وهي المتحدث، أنت تحولت الى مطيع لميولي وهنا، هل هذه العبارة عتب من الخمسين على الشاعر الذي ارتداها ؟؟؟ وكأنها تنفي عن نفسها هذا الوهن والركود الذي عبر عنه بفعل (مطيع) والاطاعة هنا هي خنوع، فلماذا تتذمر منه سنواته ؟؟ لنقرأ (مبارك أنت
جسيم كمعرفتي لبشاعة الريح التي تبحث عني في زفراتها)
اذا الخمسون لا تنكر على الشاعر ما وصفته من حاله من وهن واطاعة وانما تثني على ذلك وكأنها بذلك تثني على احترام الشاعر لهذا العمر، وتلبسه به، ورقيه بالتعامل معه، ولكن هذه العظمة التي اشاعها العمر في الشاعر بشعة كبشاعة الريح التي تريد القضاء عليه فهي (تبحث عني في زفراتها) أي انها تبحث عني لاغتيالي فالزفير هو ادخال الهواء (اي امتصاصه وافنائه في الرئتين) فهل هذا ما فعلته السنوات بالشاعر ام ما فعله الشاعر بجسده ؟؟؟
واقول هنا الجسد لان كلمة (جسيم) التي تعني عظيم لكن الشاعر اختارها لتعبر عن بعد فيزيائي لهذه الخمسين التي تحدث الشاعر وتعاتبه او هي تحترمه
يا صداي البعيد !
سأُبعثُ . . نبوءة الشاعر لعمره، سأبعث والبعث هنا ليس بعثا حسيا بل بعثا روحيا بدليل ما جاء بعدها من نقاط تعطي احساسا بالامتداد الذي لا يستطيع الجسد ان يقدمه وانما الروح
يميني معجزةٌ على صفحةِ النبع
يساري تفاؤلٌ ،
هنا ايضا نعود للثنائية التي غلفت هذه القصيدة وهنا الثنائية ليست متعادلة لكنها نوعا ما ايجابية، لكن الوضع هنا اختلف فكلمة معجزة على صفحة النبع تقابل فيما سبق السدرة التي تقود الى الجنون واليسار المتفائل هو صورة للهاوية التي تقود للفناء ولكن هنا بشكل اقل حدة لان المقطع هنا جاء به رغبة وامل بالبعث، بل التباهي امام السنوات البعيدة للوراء او للامام بأن القادم او الراهن بعث وقوة،
وعرشي عالقٌ بين فَكَّيْ اضطرابين ببحرٍ
شُقَّ لكي تُطْبِقَ عليَّ ربةُ الموج
كفراشةٍ _ ينفجرُ الضوءُ ليبدِّدَ غوايتَهُ لها _ .
(وعرشي) نحن نعرف بما لا شك فيه ان عرش الانسان مملكته التي يحلم بها ويحكم بها، وهنا لا بد ان عرش الشاعر ولا ريب هو (الشعر) لكن هذا الشعر عالق بين فكي (اضطرابين) والثنائية هنا نستطيع ان نعيدها لمصدر واحد مصدر يستطيع ان يهز هذا العرش اضطرابا فما هو هذا المصدر ؟؟؟ وتاكيدا على ان المصدر واحد (ببحر) وكلمة بحر كلمة مفردة تحتمل الجمع بين الاضطرابين الذين استطاعا ان يحيطا بعرش الشاعر ويهزانه، (ببحر شق) وشق البحر الذي يحيلنا الى الرواية الدينية (فلق البحر) ولكن بطريقة عكسية وكأن البحر احكم عليه لكن شقه هنا لم يكن للنجاة وانما لكي (تطبق عليّ ربة الموج) كفراشة) من العسير أن ندرك أي حيرة تكتنف الشاعر وتبحر به وبشعره نحو لجة للبحر صعبة الادراك، (ينفجر الضوء ليبدد غوايته لها) انفجار الضوء (والضوء هنا بالامعان به يحمل الزرقة ويحمل الغواية والاحتراق وحتى الجنون، لكنه هنا هو ذات الشاعر، الذي يرغب من هذا الضوء ان ينفجر ليبدد غوايته (لها) وكلمة لها تحيلنا كما كلمة (بينهما) الى ذات اخرى ارادها الشاعر مجهولة.
* * *
قال :
لن تكون شاعراً ما لم تته بمساحةٍ
لا تتجاوزُ أنملة .
في الجزء السابق الذي سبق انفصال القصيدة بهذه النجمات الثلاث تحدث الشاعر عن عالمه الخاص وعن سنواته وعن ذاته بابهام حد الاغراق في تجهيل القارئ الساذج، لكن القارئ الواعي على الاقل استطاع ان يصل الى بعض الاسئلة
في هذا المقطع نرى الشاعر وقصده بالاهداء
قال (وكلمة قال تستدعي قائل وتستدعي سامع فمن القائل ومن السامع ؟؟؟
القائل هنا ولا ريب الشاعر ذاته، الذي يبحث دائما عن مساحة للشعر الخالص لكنه هنا يقدم خبرته ..خبرة الخمسين عاما للمهدى اليها في القصيدة (وهي هنا وفاء صاحبة التجربة الغضة المتواضعة بالنسبة لتجربة شاعر خمسيني) قال اذا فعل يعود على الشاعر نفسه لكنه كما تعود ان يخفي نفسه ليقول ما يريد دون ان ينسب لنفسه الفضل تركها مبهمة ليستطيع ان يقول كل ما يريد بل وان يوجد نفسه متلقي مموه حتى لا يقلل من قدر الاخر المتلقي الحقيقي ...
وبما ان الشعر هم مشترك بين التجربة الحقيقية العميقة والتجربة التي لاتزال في بدايتها سواء بداية جيدة او سيئة لا يهم لكنها بداية تحتاج لهذه الحكمة البليغة لتتجاوز الضعيف بل حتى المألوف والجيد...
( لن تكون شاعرا مالم تته بمساحة
لا تتجاوز انملة)
حكمة رائعة لمن يقترف الشعر فهل ادركت المهدى اليها هذه الحكمة ؟؟
كيف يستطيع الشاعر ان يتوه بمساحة لا تتجاوز قيد انملة ؟؟؟ بالطبع يدرك المتلقي ان المساحة هنا لا تأتي افقيا ومساحيا بل عمقا وتجربة وخبرة... هذه الحكمة الجديرة بالتوقف عندها بل والبحث فيها كمفصل اساسي وعميق في هذا القصيدة التي حملت في طياتها حياة شاعر وتجربته العميقة بل وبعضا من روحه ليفردها لنا ليقول للاخر ... استفد فهذه تجربتي ابسطها لك اما ان تفهم واما ان تمضي لا تلوي على شيء.
سأداعبُ كلَّ ما مضى من قصائدي الحكيمة
وأقولُ لهنَّ :
تحطَّمنَ على مسافةٍ لا تتعدّى أنملة ،
امعانا بالاقتناع بهذه الحكمة ينظر الشاعر مع المتلقي لقصائده الحكيمة وكأنه بهذا يقول ان لم يكن الشعر عميقا فالاجدى به ان يتحطم بل ويفنى، فلا شيء مقدس وثابت ان لم يكن من الجدارة والعمق بحيث يستطيع ان يتوه بمساحة لاتتعدى انملة، اذا الشاعر في المقطع الحقيقي المهدى (لوفاء) يقدم لها خلاصة تجربته وقناعته ناحية الشعر ... وما يجب ان يكون عليه الشاعر...
وبعد هذه النصيحة الجديرة بالاتباع يلتفت الشاعر ثانية نحو روحه ليعود للتحدث مع ذاته ضاما اياها الى حكمته في الشعر فالشعر شعور والشعور نابع من القلب فإن لم تكن التجربة عميقة بعمق الاحساس والتجربة فهي ستبقى تجربة في مهب الريح وذاهبة نحو الفناء..
يا قلبي العزيز
كأنَّني أمتلكُ مئاتٍ غيرَك . . فأعبثُ بك ،
وأُتْلِفُ في مهبِّ الرياحِ أوراقَك
نعود لنصغي للشاعر بعيدا عن نصائحة الشعرية نحو قناعته الذاتية وبذاته وبشعره وبروحه وقلبه، يعاتب نفسه على ما فات من قصائده ( اتلف في مهب الرياح اوراقك) واوراق القلب هي قصائد كثيرة قيلت من وحي هذا القلب الذي استخدمة الشاعر بسخاء وكانه يملك غيره مئات، بل انه عبث به والعبث بالقلب هو استخدامه بتهور احيانا وبغير ما هو عليه حقيقة، وعتب الشاعر هنا التفات حقيقي نحو الذات والاصغاء اليها عبر مناجاة بين انسان وقلبه بعد مناجاته لسنواته، (فكن بحجم انملة) وكأنه بهذا يريد ان يستعيد القلب نقاءه العميق بعيدا عن التهور والعبث، وكأنه بهذا يلقي عليه الاحجية التي ستعيدة الى نقاء الكتابة الحقيقية الكتابة النابعة من قلب تاه في مساحة لا تتجاوز قيد انملة، بدليل أن اطاعة القلب لامر الشاعر (فكن بحجم انملة) سيرد اليه هيئته
فكنْ بحجمِ أنملةٍ
واستردَّ هيئتَك التي . . عندما آويتُك إليَّ
وأنا في رحمِ أمي
صغيرا بحجم أنملة ،
(اي عد يا قلب الى نقائك والرحم هنا تعيد الشاعر ليس الى الوراء خلف الخمسين بل ايضا تعيده الى عمق البدء ورحابته في رحم الام (الام هنا تتجاوز مفهوم كلمة ام لتشمل كل ما من شأنه ان يشكل اما لشاعر كالارض والسماء والفكرة واللغة ...الخ)
إنّي مُنزِّلٌ عليكَ زنبقةً يعرفها الله
وزنبقةً لو عرفتني لصرتُ
ماءً لألوهةِ شكِّها بيقيني ،
ما هو وعد الشاعر لقلبه الذي بدوره يشكل مقر الشعر ومصدره ؟؟ وعن أي زنبقة يتحدث ؟؟ زنبقة يعرفها الله... أي زنبقة مباركة وقريبة من خالقها، زنبقة ورعة تقية، زنبقة يرضاها الله ( هل هي لهذا القلب رفيقة درب ؟؟؟ لسنا ندري!
وزنبقة (لو عرفتني لصرتُ ماءً لألوهة شكها بيقيني ( هذه الزنبقة لن تعرف الشاعر لان الجملة بدأت ب(لو) والشك .. وصرت .. وكلها كلمات لا توحي إلا بالاستحالة والبعد عن الممكن لكنه يدرك ان تلك الزنبقة لو نزلت على هذا القلب لاحدثت فيه تلك الغواية التي تهرع اليها الخمسون ولاستيقظ الشعر فيها ولصار الحياة (ماء لألوهة شكها بيقيني) ما اروع هذا الجزء وما ابعده عن الممكن والحقيقي...
الدهرُ لم ينتِجِ الخمسينَ جُزافاً ،
يعود الشاعر هنا ليثني على الخمسين التي بدأ بها القصيدة ويستعيد ذاته ليقدمها للقارئ /المتلقي.... باعتزاز بهذه السنوات التي لم تنتج جزافا وانما لسبب ما سبب حقيقي قد يكون بقدر عمق وثبات الشعر ذاته في كيان الشاعر وروحه.
إن أوَّلَ الأشياءِ سماويٌّ
فابْكِ يا قلمَ العُبابِ على أعماقي
التي شربَتْ كلَّ كياني بجرعتينِ عَذَّبَتْ بهما
ناصعَ الشِّعرِ عشراتِ الأحوال ،
أول الاشياء سماوي أي ممتدا هذه التجربة وهذا الشعر وهذا السنوات، اول الاشياء يحمل بذور زرقته، فابك يا قلم العباب على اعماقي وكلمة القلم تحيلنا للشعر بالضرورة واما العباب فهو اللجة التي غرق الشاعر فيها ، هي تلك الحيرة التي لا يجد لها سبيلا، (اعماقي التي شربت كل كياني بجرعتين) ياله من تعبير جميل لا يشكله الا شاهر الخضرة، الشاعر الذي تبختر امام الرمانة وتساءل عن حجر الجد ومشى مع ذيب الشلايا في وحدته وجنونه، عذبت بهما ناصع الشعر عشرات الاحوال،
لماذا يكون الشعر ناصحا في بداتيه ؟ هل لقلق التجربة ام لصفائها ؟؟ ولماذا هذا العذاب ؟؟؟ هل هي معاناه الشاعر الحقيقية نحو الرقي في تجربته الشعرية عبر التعب عليها ؟؟؟
غايةً في القِدَمِ
وغايةً في القُدوم ،
من بداية المقطع (قال) وحتى هذه اللحظة مع الاختلاف في مستويات الصوت الشعري والاختلاف في الحالات الشعورية للشاعر نفسه ولموضوعه الا انه لازال يؤكد على تجربته الشعرية احيانا للاخر واحيانا للذات وكانه يقول احيانا جهرا ما يريد ليعطي للاخر ما يفيده واحيانا يقول لنفسه ليدرك عمق ما آلت اليه تجربته الشعرية ويصفها في دقة وكأنه يريد التأكد من اي الاتجاهات عليه ان يواصل ليكف عن الحيرة التي شاعت في النص.
فكلّما أُخرجتُ . .
الخروج هنا هو العلن والافصاح والكتابة وربما هي القصيدة التي تملك الشاعر او هو الشاعر يطل من قصيدته،
أسيرُ وحيداً دون مفاصلَ
متهيّئاً . . لأناسبَ رؤايَ مع البحر
في ركائزَ غير ثابتة ،
اذا يخلص الشاعر لتجربته مع القصيدة ومع الكلمات ومع القلب لنوع من القناعة التي تشبه قناعة شخص اراد ان يضع كل البيض في سله واحدة وليحدث ما يحدث ...لكن دون اخفاء الصوت المعاتب والحائر ...
لست أدري هل أنا أثرٌ ؟
أم الأساطيرُ تعكسني
بين ظمئي وتلهُّفي للهلاك ،
ظمئي وتلهفي للهلاك,,, من المحزن ان تنتهي القيدة كما بدأت دون يقين، سوى يقين الكلمة... ومن المفرح ان تنتصر الكلمة لانها ذات الشاعر الحقيقية...
((تلاعب ايها المداد..
فإنني طائش طائش حتى الازرقاق....))
جملة رائعة وخاتمة موفقة لقصيدة بدت ملحمية في اجزاء منها معبرة عن ذات الشاعر عبر تنويعات واسترسال هنا وهنا وتداعيات جميلة، تولى الشاعر عبرها سرد ذاته وحيرته وتجربته الشعرية والشعورية ليصل الى الحيرة ثانية ويتبعها بأن يلقي كل ما في يده الى الهواء ... بطيش (طائش طائش) تدل بما لا مجال معه للشك على ان الشاعر في ذاته مقتنع تماما انه سينتصر للشعر والشعر فقط عبر امره لهذا المداد الذي هو بمثابة نفخ الروح في القصيدة ان يتلاعب، والتلاعب هنا هو الكتابة والكتابة بالضرورة هي الكتابة الشعرية، وطيش الشاعر دليل ان الكتابة لا تأت الا من شاعر عميق التجربة ومنفعل معها حتى الازرقاق وهنا الازرقاق العمق والاتساع والتماهي بمفردات الكون الممتدة كالبحر والسماء والبرق والعباب..الخ
محاولة متواضعة للوقوف على قصيدة طائش حتى الازرقاق...
ارجو ان اكون اقتربت منها ولو قليلا
الخمسونُ . .

تهرعُ متلألئةً للغوايةِ
يحسبها الآخرون مذكَّراً
وأنا أُحيطُ بي _ على شاطئين
من زرقةِ البرقِ _ مؤنَّثةً .
هادئا لا أُجمعُ
نقيّاً لا أفيءُ
بينهما أقفُ
عظيماً بين هاويةٍ إلى الفناءِ
وسدرةٍ إلى الجنون .
الخمسون . .
تثيرُ الحزنَ كلَّما تنفَّـسَتْ
ببطءٍ ساهرٍ على شرفةِ _ (وراءَها) _ المستيقظةِ .
الخمسون . . !
أنتَ تحوَّلتَ إلى مطيعٍ لميولي وهَنَاً ،
مباركٌ أنتَ
جسيمٌ كمعرفتي لبشاعةِ الريحِ
التي تبحثُ عنّي في زفراتها .
يا صداي البعيد !
سأُبعثُ . .
يميني معجزةٌ على صفحةِ النبع
يساري تفاؤلٌ ،
وعرشي عالقٌ بين فَكَّيْ اضطرابين ببحرٍ
شُقَّ لكي تُطْبِقَ عليَّ ربةُ الموج
كفراشةٍ _ ينفجرُ الضوءُ ليبدِّدَ غوايتَهُ لها _ .
* * *
قال :
لن تكون شاعراً ما لم تته بمساحةٍ
لا تتجاوزُ أنملة .
سأداعبُ كلَّ ما مضى من قصائدي الحكيمة
وأقولُ لهنَّ :
تحطَّمنَ على مسافةٍ لا تتعدّى أنملة ،
يا قلبي العزيز
كأنَّني أمتلكُ مئاتٍ غيرَك . . فأعبثُ بك ،
وأُتْلِفُ في مهبِّ الرياحِ أوراقَك
فكنْ بحجمِ أنملةٍ
واستردَّ هيئتَك التي . . عندما آويتُك إليَّ
وأنا في رحمِ أمي
صغيرا بحجم أنملة ،
إنّي مُنزِّلٌ عليكَ زنبقةً يعرفها الله
وزنبقةً لو عرفتني لصرتُ
ماءً لألوهةِ شكِّها بيقيني ،
الدهرُ لم ينتِجِ الخمسينَ جُزافاً ،
إن أوَّلَ الأشياءِ سماويٌّ
فابْكِ يا قلمَ العُبابِ على أعماقي
التي شربَتْ كلَّ كياني بجرعتينِ عَذَّبَتْ بهما
ناصعَ الشِّعرِ عشراتِ الأحوال ،
غايةً في القِدَمِ
وغايةً في القُدوم ،
فكلّما أُخرجتُ . .
أسيرُ وحيداً دون مفاصلَ
متهيّئاً . . لأناسبَ رؤايَ مع البحر
في ركائزَ غير ثابتة ،
لست أدري هل أنا أثرٌ ؟
أم الأساطيرُ تعكسني
بين ظمئي وتلهُّفي للهلاك ،
تلاعبْ أيها المِدادُ
فإنني طائش طائشٌ حتى الإزرقاق .
الشارقة
29-11-2005
شاهر الخضرة
عندما نقرأ شاهر الخضرة علينا أن لا نقرأه منفصلا عن مكونات ذاته الشاعرة أولا بعيدا عن لعبة التخفي التي يجيدها للتماهي مع الأشياء والغوص في ثناياها.. هل يتوقف شاهر الخضرة - في رحلاته نحو تجاوز السائد والعادي وقلب الحروف الراكدة - لينظر حوله ؟؟؟ لا اظن ذلك.
في قصيدته (طائشٌ حتى الإزرقاق) المهداة إلى الصديقة (وفاء عناني) نستطيع أن نتلمس رحلة شعرية شيقة وكأنها بانوراما لحياة مفعمة بالبحث ذلك البحث الشاق عن الذات في اللغة وعن نبض الشعر وعن نبض القلب أيضا...
مفصلان لا بد أن نبدأ بهما القصيدة حتى لا يذهب القارئ العادي في ظنه الجاهل بالقصيدة وبالشاعر وبمن أهديت إليها إلى إرداء القصيدة وقتل النبض فيها لصالح فهم ساذج سطحي .
الأول هو تلك الدلالة القوية لكلمة (الخمسون) التي تكررت في القصيدة 4 مرات والتي سنأتي على تفصيل ذكرها ودلالاتها العميقة في النص.
الثاني هو الاهداء وعلاقة (وفاء) بالقصيدة والتي سنتحدث عنها في حينه.
(( الخمسونُ . .
تهرعُ متلألئةً للغوايةِ ))
بدأت القصيدة بكلمة (الخمسون) كلمة مفردة أتبعت بعدة نقاط وكأنها ايحاء لاهمية هذه الكلمة، لامتدادها الزمني والكتابي، كلمة بقيت مفردة في سطرها وكأنها تحيط بهالة مقدسة من الثقل والمكانة ... وكأنها تطلع علينا من أعماق الشاعر ومن ذكرياته وأيامه ... وكأنه يقلب فيها كل مفاصل حياته السابقة، وكأنه يمر بها على أيامه يوما يوما، وكأنه يحاول أن يهئ الفضاء لكلماته القادمة، يهيئ المتلقي الغائب عن ذهنه لكنه حاضر في لا وعيه، ليسر إليه بكنزه الثمين، وهاهي النقاط التي تفتح المدى نحو القادم، تنتهي ليبدأ الرقص، ذلك الذي أعده الشاعر في ذهنه ليقوم برحلة أخرى من رحلاته الشعرية الجميلة، (تهرع/متلألئة/الغواية)
كلمات الشاعر منتقاه بعناية لتضم ذاته الشاعرة مع الذات الأخرى الحقيقية، فكلمة (تهرع) بها حركة تناقض الصمت المثقل الذي حملته كلمة (الخمسون) وكانها فاتحة للرقص وفاتحة للجنون، متلألئة ..إذا هي بداية أخرى، خمسون أخرى لكنها خمسون مختلفة عما سبق، لكن بأي مفهوم ؟؟ عندما تقدم الشاعر بالخمسين الأولى تقدم بها نحو النضج ولكنه هنا يتقدم بها نحو (الغواية) والغواية قد تعني الفساد والخيبة بعكس ما يظن البعض من أنها تعني التألق والمضي نحو مباهج الحياة... هل يندب الشاعر الخمسين القادمة أم هو يمجدها ؟؟ من الصعب الحكم قبل المضي قدما نحو القصيدة كاملة، بل وبعد إعادة قرآءتها مرات ومرات، فالشاعر تعود في شعره أن لا يقف ساكنا أو يمشي في خط مستقيم، تعود قلب الاشياء والسعي وراء استدارتها فهل استدارت
(الخمسون) لتتقدم نحو الخيبة ؟؟؟
يحسبها الآخرون مذكَّراً
وأنا أُحيطُ بي _ على شاطئين
من زرقةِ البرقِ _ مؤنَّثةً .
لماذا أحضر الشاعر كلمة (الاخرون؟؟) ولماذا يظن بالاخرين أنهم لا يدركون هذه (الخمسون) ؟؟ ولماذا جلب كلمة (مذكر) و(مؤنث) وكأنه يدرك أختلاف خمسينه عن اعمار البشر جميعا، فكلمة (الاخرين) كلمة مفتوحة وفائقة الامتداد لتشمل كل ما عداه، ثم لماذا يحسبها الاخرون (مذكرا) وكلمة مذكر ترمز لكل ما هو شديد وصعب وقاس ؟؟ لماذا ظنو بها كل هذا الظن ؟؟ وكأن الشاعر بهذه الكلمات ينفي عن (الخمسون) ما ظنه بها الاخرون، وكأنه بهذا يدافع عنها ويقول أن تلك الخمسون (الخمسون السابقة) لا تعادل ما سيأتي وما يراه الاخرون لا يعد شيئا بالنسبة لما آراه انا، فأنا ( وأنا أحيط بي) ونتوقف هنا قليلا مع الشاعر لنقترب قليلا من عالمه الروحي والشعري معا، في هذه العبارة قسم الشاعر ذاته الى نصفين (أنا / بي) وأنا ضمير منفصل ، ضمير يوحي بالاستقلالية والنفوذ بينما أتت (ي) ياء المتكلم ضميرا متصلا يدل على الاتكاء على الاخر والتعب، فهل أراد الشاعر من هذا التعدد في استخدام الضمائر برابط كلمة (أحيط) تلك الكلمة الممتدة والتي تحمل في طياتها معنى الاحاطة والاتساع، هل أراد أن يعطينا صورة لذاته المضطربة ؟ لذاته المنفصلة ؟؟ لخمسينه القادمة والسابقة ؟؟ للمذكر الصعب والغائب والمؤنث الرقيق الحاضر ؟؟ ثم هل تصلح كلمة المؤنث هنا للدلالة على أنثى حقيقية ؟؟؟ وأين هي في ذات الشاعر أم في عقل القارئ ؟؟ أم في سطحية الكلمات الملقاة على كاهل القصيدة باهمال ؟؟؟؟
(شاطئين) إذا هناك امتداد وعمق وماء ولجة، هناك انفصال واتصال، هناك ثبات وهناك فقد للاتزان، شاطئين منفصلين بينهما امكانية للغرق.. ترى لماذا شاطئين ؟؟؟ وسوف اسجل هنا ملاحظة اعود اليها لاحقا وهي أن التعدد في حياة الشاعر اصبح سمة (في هذه القصيدة على الاقل) كنوع من الحيرة والرغبة المكبلة بالانعتاق ... كأنه ايضا يعتب على الخمسين تلك التي قيدت الروح بإمكانيات الجسد، الملاحظة هي ثنائية (زنبقة يعرفها الله وزنبقة لو عرفتني/غاية في القدم وغاية في القدوم/ اضطرابين ببحر/ جرعتين/ هاوية إلى الفناء وسدرة إلى الجنون) فهل هي الخمسون أم هو الشاعر المكبل لهذه الثنائية ؟؟ وما هما قطبي هذه الثنائية ؟؟ (المذكر/ المؤنث) الثنائية التي عبر عنها صراحة بكلمات تحمل في ذاتها التناقض والاختلاف والتمايز الحقيقي في الكون كله
- على شاطئين
من زرقة البرق – هذه الجملة المعترضة ما بين (ظن الاخرين / وعلمه بنفسه) ما بين التناقضين (المذكر والمؤنث) لماذا اختار الشاعر هذا اللون (الزرقة) ليكررها في ثنايا القصيدة ككلمة (زرقة البرق/طائش حتى الازرقاق) وكرمز ودلالة (فالمداد والبحر والحزن والموج وسماوي) كلها كلمات تحمل الارزق في طياتها، فهي تشبه الخمسين، بالامتداد والحيرة والسكون والحزن، كلها كلمات تشكل حياة الشاعر على امتدادها، البرق هنا الكلمة الوحيدة التي تعنى بالحركة السريعة الوامضة فلماذا بدأ الشاعر بزرقة البرق ؟ وهنا الزرقة تعني الامتداد والمطلق ولا تعني السكون او الحزن... أظن ان هذا راجع لما يراه الشاعر في خمسينه القادمة او تلك التي يراها ...ذاهبة أو آتيه لا فرق طالما أن الشاعر لا يريد الافصاح عما لهذه الخمسين من قوة (مذكرا) وضعف (مؤنثا) ويجدر ملاحظة ان ما يراه الاخرون قد لا يدركه الشاعر في ذاته لكنه حقيقي وما يراه الشاعر في ذاته قد لا يدركه الاخرون لكنه حقيقي ايضا أي أن المعرفة الخارجية والداخلية متبادلة والمذكر والمؤنث مختلطان ايضا، هي التناقضات التي جمعها الشاعر عبر كلماته وعبر قصيدتة الجميلة
ينتهي المقطع بنقطة تغلق هذا البيان العميق والسمفوني الذي جلجل به صوت الشاعر عبر كلماته نحو ما يراه من عمق في كيانه، وهنا تجد الاشارة أن هذا المقطع منغلق على ذات الشاعر ولا شأن له بما يظنه القارئ، هذا المقطع يشبه أن يصرخ الانسان في صحراء لا يوجد بها أحد وهو يدرك هذا تماما، أو أن يصرخ في ذاته الداخلية دون أن يراه احد، مقطع لا نستطيع ان نقول عنه سوى أنه رائع في الاقتراب من الذات والانفصال عن الاخر بعمق وجداني وروحي وامض وحاد (كالبرق) لا ندرك معه ابعاد السماء التي تشبه في حينها تشعب اوردة جسد ثائر، هل هذا ما أراده الشاعر؟ أن يقترب من ذاته في تلك اللحظة الخاطفة ليرى ويدرك بعيدا ونائيا عن الاخر ؟؟؟ اجزم ذلك بدليل ان المقطع التالي انتقل به من وصف عمر الشاعر الزماني إلى وصف ذات الشاعر في عمقها الروحي
(هادئا لا أُجمعُ
نقيّاً لا أفيءُ
بينهما أقفُ
عظيماً بين هاويةٍ إلى الفناءِ
وسدرةٍ إلى الجنون .
(الهدوء الذي ينصب على (الحركة والصوت) بدليل كلمة (لا اجمع) والجمع هنا بمعنى الاسر فذات الشاعر منطلقة رغم هدوئها لان الانطلاق هنا ليس انطلاقا جسمانيا وهذا ما اكدته الكلمات التي تصب الشاعر، فعندما تغيب الحركة والصوت اي البعد الفيزيائي للانسان ينطلق منه بعد آخر أكثر حرية وانطلاقا،
من يستطيع أن يجمع الصوت أو الحركة ؟؟؟ بعد ان اخمدهما الهدوء ؟؟ هل في هذا تحذير من الشاعر لمن حوله ؟؟؟ نقيا لا أفيء) والنقاء ككلمة مع كلمة افيء تدل على سلامة الضوء فالفيء هنا يحمل في ذاته التحول والزوال والظل وهذه كلها تتنافى مع ثبات الشاعر وثبات نوره الذي يراه،
بينهما اقف ( من هما ؟؟ ) الهدوء والنقاء ؟؟ والى ماذا يرمز الهدوء والى ماذا يرمز النقاء ؟؟ وهل هما مختلفتا الدلالة ؟؟ ثم لماذا يقف الشاعر بينهما و الاحرى انهما متماهيتان به ؟؟؟ جدير بنا التوقف للتدقيق بما اراده الشاعر لكنا سنتجاوز هذا الى حال الشاعر
(بينهما اقف) والوقوف بين اختلافين يعبر عن الحيرة والرغبة المكبلة بالاختيار والانطلاق... عظيما... هل يدرك الشاعر عمق الخمسون التي اوصلته لهذه العظمة ؟؟ أم هي عظمة امتلاكة لهذين التناقضين ؟؟ ثم لماذا ظهرت هذه العظمة بين (هاوية الى الفناء) و (سدرة إلى الجنون ؟؟) اجزم ان الشاعر في ثنائيته يعاني الحيرة ويعاني الرغبة في الانطلاق والرغبة في المكوث، يستطيع القارئ ان يضع لهذين الحدين الكثير من التعريفات التي تناسبه لكن ما يناسب الشاعر لا يفصح عنه بسهولة فالشعر عنده هو الغموض والتحدي وزئبقية التواجد، هو التخفي بابهى صوره،
(هاوية) التي تعني السقوط و التردي (سدرة) التي تشكل أقصى ما يمكن الوصول اليه في العلو، ومابين (الفناء) الموت و(الجنون) الحياة نقف مع الشاعر في حيرته لنعود لنصغي الى ابتعاده في ذاته وحيرته،
الخمسون . .
تثيرُ الحزنَ كلَّما تنفَّـسَتْ
ببطءٍ ساهرٍ على شرفةِ _ (وراءَها) _ المستيقظةِ .
يعود الشاعر الى وصفه للخمسين ولكن هنا بحنو وتأمل وكانه يجلس معها ويراقبها بتفاصيلها، (تثير الحزن كلما تنفست) كلمات تقربنا من الشاعر في عمق احساسه بالسنوات فهو يراقبها ويحنو عليها ويصغي لحزنها ويحرسها ولكنه في ذات الوقت يحلم بشيء يعيد لها القها (فكلمة وراءها) قد تعني امامها.
الخمسون . . !
أنتَ تحوَّلتَ إلى مطيعٍ لميولي وهَنَاً ،
مباركٌ أنتَ
جسيمٌ كمعرفتي لبشاعةِ الريحِ
التي تبحثُ عنّي في زفراتها .
الخمسون هنا اتبعت بعلامة تعجب لان الشاعر بها استدار ليعطي لها المبادرة وقيادة الحديث وادارته...هنا الخمسون هي الفاعل وهي المتحدث، أنت تحولت الى مطيع لميولي وهنا، هل هذه العبارة عتب من الخمسين على الشاعر الذي ارتداها ؟؟؟ وكأنها تنفي عن نفسها هذا الوهن والركود الذي عبر عنه بفعل (مطيع) والاطاعة هنا هي خنوع، فلماذا تتذمر منه سنواته ؟؟ لنقرأ (مبارك أنت
جسيم كمعرفتي لبشاعة الريح التي تبحث عني في زفراتها)
اذا الخمسون لا تنكر على الشاعر ما وصفته من حاله من وهن واطاعة وانما تثني على ذلك وكأنها بذلك تثني على احترام الشاعر لهذا العمر، وتلبسه به، ورقيه بالتعامل معه، ولكن هذه العظمة التي اشاعها العمر في الشاعر بشعة كبشاعة الريح التي تريد القضاء عليه فهي (تبحث عني في زفراتها) أي انها تبحث عني لاغتيالي فالزفير هو ادخال الهواء (اي امتصاصه وافنائه في الرئتين) فهل هذا ما فعلته السنوات بالشاعر ام ما فعله الشاعر بجسده ؟؟؟
واقول هنا الجسد لان كلمة (جسيم) التي تعني عظيم لكن الشاعر اختارها لتعبر عن بعد فيزيائي لهذه الخمسين التي تحدث الشاعر وتعاتبه او هي تحترمه
يا صداي البعيد !
سأُبعثُ . . نبوءة الشاعر لعمره، سأبعث والبعث هنا ليس بعثا حسيا بل بعثا روحيا بدليل ما جاء بعدها من نقاط تعطي احساسا بالامتداد الذي لا يستطيع الجسد ان يقدمه وانما الروح
يميني معجزةٌ على صفحةِ النبع
يساري تفاؤلٌ ،
هنا ايضا نعود للثنائية التي غلفت هذه القصيدة وهنا الثنائية ليست متعادلة لكنها نوعا ما ايجابية، لكن الوضع هنا اختلف فكلمة معجزة على صفحة النبع تقابل فيما سبق السدرة التي تقود الى الجنون واليسار المتفائل هو صورة للهاوية التي تقود للفناء ولكن هنا بشكل اقل حدة لان المقطع هنا جاء به رغبة وامل بالبعث، بل التباهي امام السنوات البعيدة للوراء او للامام بأن القادم او الراهن بعث وقوة،
وعرشي عالقٌ بين فَكَّيْ اضطرابين ببحرٍ
شُقَّ لكي تُطْبِقَ عليَّ ربةُ الموج
كفراشةٍ _ ينفجرُ الضوءُ ليبدِّدَ غوايتَهُ لها _ .
(وعرشي) نحن نعرف بما لا شك فيه ان عرش الانسان مملكته التي يحلم بها ويحكم بها، وهنا لا بد ان عرش الشاعر ولا ريب هو (الشعر) لكن هذا الشعر عالق بين فكي (اضطرابين) والثنائية هنا نستطيع ان نعيدها لمصدر واحد مصدر يستطيع ان يهز هذا العرش اضطرابا فما هو هذا المصدر ؟؟؟ وتاكيدا على ان المصدر واحد (ببحر) وكلمة بحر كلمة مفردة تحتمل الجمع بين الاضطرابين الذين استطاعا ان يحيطا بعرش الشاعر ويهزانه، (ببحر شق) وشق البحر الذي يحيلنا الى الرواية الدينية (فلق البحر) ولكن بطريقة عكسية وكأن البحر احكم عليه لكن شقه هنا لم يكن للنجاة وانما لكي (تطبق عليّ ربة الموج) كفراشة) من العسير أن ندرك أي حيرة تكتنف الشاعر وتبحر به وبشعره نحو لجة للبحر صعبة الادراك، (ينفجر الضوء ليبدد غوايته لها) انفجار الضوء (والضوء هنا بالامعان به يحمل الزرقة ويحمل الغواية والاحتراق وحتى الجنون، لكنه هنا هو ذات الشاعر، الذي يرغب من هذا الضوء ان ينفجر ليبدد غوايته (لها) وكلمة لها تحيلنا كما كلمة (بينهما) الى ذات اخرى ارادها الشاعر مجهولة.
* * *
قال :
لن تكون شاعراً ما لم تته بمساحةٍ
لا تتجاوزُ أنملة .
في الجزء السابق الذي سبق انفصال القصيدة بهذه النجمات الثلاث تحدث الشاعر عن عالمه الخاص وعن سنواته وعن ذاته بابهام حد الاغراق في تجهيل القارئ الساذج، لكن القارئ الواعي على الاقل استطاع ان يصل الى بعض الاسئلة
في هذا المقطع نرى الشاعر وقصده بالاهداء
قال (وكلمة قال تستدعي قائل وتستدعي سامع فمن القائل ومن السامع ؟؟؟
القائل هنا ولا ريب الشاعر ذاته، الذي يبحث دائما عن مساحة للشعر الخالص لكنه هنا يقدم خبرته ..خبرة الخمسين عاما للمهدى اليها في القصيدة (وهي هنا وفاء صاحبة التجربة الغضة المتواضعة بالنسبة لتجربة شاعر خمسيني) قال اذا فعل يعود على الشاعر نفسه لكنه كما تعود ان يخفي نفسه ليقول ما يريد دون ان ينسب لنفسه الفضل تركها مبهمة ليستطيع ان يقول كل ما يريد بل وان يوجد نفسه متلقي مموه حتى لا يقلل من قدر الاخر المتلقي الحقيقي ...
وبما ان الشعر هم مشترك بين التجربة الحقيقية العميقة والتجربة التي لاتزال في بدايتها سواء بداية جيدة او سيئة لا يهم لكنها بداية تحتاج لهذه الحكمة البليغة لتتجاوز الضعيف بل حتى المألوف والجيد...
( لن تكون شاعرا مالم تته بمساحة
لا تتجاوز انملة)
حكمة رائعة لمن يقترف الشعر فهل ادركت المهدى اليها هذه الحكمة ؟؟
كيف يستطيع الشاعر ان يتوه بمساحة لا تتجاوز قيد انملة ؟؟؟ بالطبع يدرك المتلقي ان المساحة هنا لا تأتي افقيا ومساحيا بل عمقا وتجربة وخبرة... هذه الحكمة الجديرة بالتوقف عندها بل والبحث فيها كمفصل اساسي وعميق في هذا القصيدة التي حملت في طياتها حياة شاعر وتجربته العميقة بل وبعضا من روحه ليفردها لنا ليقول للاخر ... استفد فهذه تجربتي ابسطها لك اما ان تفهم واما ان تمضي لا تلوي على شيء.
سأداعبُ كلَّ ما مضى من قصائدي الحكيمة
وأقولُ لهنَّ :
تحطَّمنَ على مسافةٍ لا تتعدّى أنملة ،
امعانا بالاقتناع بهذه الحكمة ينظر الشاعر مع المتلقي لقصائده الحكيمة وكأنه بهذا يقول ان لم يكن الشعر عميقا فالاجدى به ان يتحطم بل ويفنى، فلا شيء مقدس وثابت ان لم يكن من الجدارة والعمق بحيث يستطيع ان يتوه بمساحة لاتتعدى انملة، اذا الشاعر في المقطع الحقيقي المهدى (لوفاء) يقدم لها خلاصة تجربته وقناعته ناحية الشعر ... وما يجب ان يكون عليه الشاعر...
وبعد هذه النصيحة الجديرة بالاتباع يلتفت الشاعر ثانية نحو روحه ليعود للتحدث مع ذاته ضاما اياها الى حكمته في الشعر فالشعر شعور والشعور نابع من القلب فإن لم تكن التجربة عميقة بعمق الاحساس والتجربة فهي ستبقى تجربة في مهب الريح وذاهبة نحو الفناء..
يا قلبي العزيز
كأنَّني أمتلكُ مئاتٍ غيرَك . . فأعبثُ بك ،
وأُتْلِفُ في مهبِّ الرياحِ أوراقَك
نعود لنصغي للشاعر بعيدا عن نصائحة الشعرية نحو قناعته الذاتية وبذاته وبشعره وبروحه وقلبه، يعاتب نفسه على ما فات من قصائده ( اتلف في مهب الرياح اوراقك) واوراق القلب هي قصائد كثيرة قيلت من وحي هذا القلب الذي استخدمة الشاعر بسخاء وكانه يملك غيره مئات، بل انه عبث به والعبث بالقلب هو استخدامه بتهور احيانا وبغير ما هو عليه حقيقة، وعتب الشاعر هنا التفات حقيقي نحو الذات والاصغاء اليها عبر مناجاة بين انسان وقلبه بعد مناجاته لسنواته، (فكن بحجم انملة) وكأنه بهذا يريد ان يستعيد القلب نقاءه العميق بعيدا عن التهور والعبث، وكأنه بهذا يلقي عليه الاحجية التي ستعيدة الى نقاء الكتابة الحقيقية الكتابة النابعة من قلب تاه في مساحة لا تتجاوز قيد انملة، بدليل أن اطاعة القلب لامر الشاعر (فكن بحجم انملة) سيرد اليه هيئته
فكنْ بحجمِ أنملةٍ
واستردَّ هيئتَك التي . . عندما آويتُك إليَّ
وأنا في رحمِ أمي
صغيرا بحجم أنملة ،
(اي عد يا قلب الى نقائك والرحم هنا تعيد الشاعر ليس الى الوراء خلف الخمسين بل ايضا تعيده الى عمق البدء ورحابته في رحم الام (الام هنا تتجاوز مفهوم كلمة ام لتشمل كل ما من شأنه ان يشكل اما لشاعر كالارض والسماء والفكرة واللغة ...الخ)
إنّي مُنزِّلٌ عليكَ زنبقةً يعرفها الله
وزنبقةً لو عرفتني لصرتُ
ماءً لألوهةِ شكِّها بيقيني ،
ما هو وعد الشاعر لقلبه الذي بدوره يشكل مقر الشعر ومصدره ؟؟ وعن أي زنبقة يتحدث ؟؟ زنبقة يعرفها الله... أي زنبقة مباركة وقريبة من خالقها، زنبقة ورعة تقية، زنبقة يرضاها الله ( هل هي لهذا القلب رفيقة درب ؟؟؟ لسنا ندري!
وزنبقة (لو عرفتني لصرتُ ماءً لألوهة شكها بيقيني ( هذه الزنبقة لن تعرف الشاعر لان الجملة بدأت ب(لو) والشك .. وصرت .. وكلها كلمات لا توحي إلا بالاستحالة والبعد عن الممكن لكنه يدرك ان تلك الزنبقة لو نزلت على هذا القلب لاحدثت فيه تلك الغواية التي تهرع اليها الخمسون ولاستيقظ الشعر فيها ولصار الحياة (ماء لألوهة شكها بيقيني) ما اروع هذا الجزء وما ابعده عن الممكن والحقيقي...
الدهرُ لم ينتِجِ الخمسينَ جُزافاً ،
يعود الشاعر هنا ليثني على الخمسين التي بدأ بها القصيدة ويستعيد ذاته ليقدمها للقارئ /المتلقي.... باعتزاز بهذه السنوات التي لم تنتج جزافا وانما لسبب ما سبب حقيقي قد يكون بقدر عمق وثبات الشعر ذاته في كيان الشاعر وروحه.
إن أوَّلَ الأشياءِ سماويٌّ
فابْكِ يا قلمَ العُبابِ على أعماقي
التي شربَتْ كلَّ كياني بجرعتينِ عَذَّبَتْ بهما
ناصعَ الشِّعرِ عشراتِ الأحوال ،
أول الاشياء سماوي أي ممتدا هذه التجربة وهذا الشعر وهذا السنوات، اول الاشياء يحمل بذور زرقته، فابك يا قلم العباب على اعماقي وكلمة القلم تحيلنا للشعر بالضرورة واما العباب فهو اللجة التي غرق الشاعر فيها ، هي تلك الحيرة التي لا يجد لها سبيلا، (اعماقي التي شربت كل كياني بجرعتين) ياله من تعبير جميل لا يشكله الا شاهر الخضرة، الشاعر الذي تبختر امام الرمانة وتساءل عن حجر الجد ومشى مع ذيب الشلايا في وحدته وجنونه، عذبت بهما ناصع الشعر عشرات الاحوال،
لماذا يكون الشعر ناصحا في بداتيه ؟ هل لقلق التجربة ام لصفائها ؟؟ ولماذا هذا العذاب ؟؟؟ هل هي معاناه الشاعر الحقيقية نحو الرقي في تجربته الشعرية عبر التعب عليها ؟؟؟
غايةً في القِدَمِ
وغايةً في القُدوم ،
من بداية المقطع (قال) وحتى هذه اللحظة مع الاختلاف في مستويات الصوت الشعري والاختلاف في الحالات الشعورية للشاعر نفسه ولموضوعه الا انه لازال يؤكد على تجربته الشعرية احيانا للاخر واحيانا للذات وكانه يقول احيانا جهرا ما يريد ليعطي للاخر ما يفيده واحيانا يقول لنفسه ليدرك عمق ما آلت اليه تجربته الشعرية ويصفها في دقة وكأنه يريد التأكد من اي الاتجاهات عليه ان يواصل ليكف عن الحيرة التي شاعت في النص.
فكلّما أُخرجتُ . .
الخروج هنا هو العلن والافصاح والكتابة وربما هي القصيدة التي تملك الشاعر او هو الشاعر يطل من قصيدته،
أسيرُ وحيداً دون مفاصلَ
متهيّئاً . . لأناسبَ رؤايَ مع البحر
في ركائزَ غير ثابتة ،
اذا يخلص الشاعر لتجربته مع القصيدة ومع الكلمات ومع القلب لنوع من القناعة التي تشبه قناعة شخص اراد ان يضع كل البيض في سله واحدة وليحدث ما يحدث ...لكن دون اخفاء الصوت المعاتب والحائر ...
لست أدري هل أنا أثرٌ ؟
أم الأساطيرُ تعكسني
بين ظمئي وتلهُّفي للهلاك ،
ظمئي وتلهفي للهلاك,,, من المحزن ان تنتهي القيدة كما بدأت دون يقين، سوى يقين الكلمة... ومن المفرح ان تنتصر الكلمة لانها ذات الشاعر الحقيقية...
((تلاعب ايها المداد..
فإنني طائش طائش حتى الازرقاق....))
جملة رائعة وخاتمة موفقة لقصيدة بدت ملحمية في اجزاء منها معبرة عن ذات الشاعر عبر تنويعات واسترسال هنا وهنا وتداعيات جميلة، تولى الشاعر عبرها سرد ذاته وحيرته وتجربته الشعرية والشعورية ليصل الى الحيرة ثانية ويتبعها بأن يلقي كل ما في يده الى الهواء ... بطيش (طائش طائش) تدل بما لا مجال معه للشك على ان الشاعر في ذاته مقتنع تماما انه سينتصر للشعر والشعر فقط عبر امره لهذا المداد الذي هو بمثابة نفخ الروح في القصيدة ان يتلاعب، والتلاعب هنا هو الكتابة والكتابة بالضرورة هي الكتابة الشعرية، وطيش الشاعر دليل ان الكتابة لا تأت الا من شاعر عميق التجربة ومنفعل معها حتى الازرقاق وهنا الازرقاق العمق والاتساع والتماهي بمفردات الكون الممتدة كالبحر والسماء والبرق والعباب..الخ
محاولة متواضعة للوقوف على قصيدة طائش حتى الازرقاق...
ارجو ان اكون اقتربت منها ولو قليلا
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق