الثلاثاء، 22 سبتمبر 2009

(امرأة مفقوءة العينين) د. رضوى فرغلي


عندما طالعت عنوان النص لأول مرة قلت في نفسي أن رضوى لا تكتب إلا ما يغري بالقراءة .. وهذا ما تأكد لي عندما قرأت النص على الرغم من قصره إلا أنه أثبت أن رضوى تملك روحا شاعرة شديدة الحساسية لما يحيط بالنفس الانسانية شديدة الشجن فيما يتعلق بالمساحة الباردة التي تحتاج دائما إلى دفء الحب .. دفء الآخر بكل ما قد يعنيه .....
في المساءات الباردة
نتذوق مرارة الحزن
ونرتشف الوحدة.. على مهلٍ
...................
يمثل هذا المقطع دخول متأني لعتمة الداخل التي تفقأ عينها رضوى بجرأة المتأمل لا جرأة المندفع... فالأول جرأته تكمن بتتبع التفاصيل واخراجها للعلن وتقديمها دون خشية أو تردد ...بينما المندفع لا يحظى سوى بالتقبل الآني من القارئ ...

(في)... سحبت يدي بتمهل لكنها اخذتها بقوة إلى (المساءات الباردة) وهذه الجملة تؤكد على ثقتي بنص رضوى فالمساءات .. لاتعني فقط الزمان الشجي الذي يذكرنا باحبتنا وبما نحتاجة من وجودهم بل أيضا يمتد ليشمل المساحة التي نحتاجها حين نتعب ..حين نأوي إلى اماكن راحتنا والدفئ المنشود ...لكن الكلمة (الباردة) دفعت بقوة حاجزا أمام استرسالنا بما تحمله المساءات من دفء وود وحماية إلى (البرد) وما يمثله بالمقابل من فقد وضياع وتشرد ... فالكلمة وضعت مقابل الكلمة لتختزل في طيات الجملة كل ما هيئته الكاتبة لقوله في النص... وهذا ذكاء بالغ ..اتبعته ب (نتذوق مرارة الحزن) ... واعية تماما أن المرارة لا نستطيع ان نقترب منها إلا بسرعة تعطينا الطعم وتبقيه في أفواهنا رغم عدم مقدرتنا أو رغبتنا بالارتشاف منه ....لكن (ونرتشف الوحدة...على مهل) وهنا ليس لقدرتنا الفائقة على تقبل الوحدة ولكن لاننا مجبرين على ذلك... الوحدة التي نستوعبها على مهل .... تماما كوعينا بالفقد الذي يكون حادا في البداية .. جارحا...ثم حارقا كجرح ملتهب ليتحول بعد ذلك إلى حالة دائمة لا نألفها ولكننا نعيش معها ... نرفع أرواحنا أحيانا قليلا خارجها لكن هذا لا يزيدنا إلا إلتصاقا بها...


نرحل عرايا إلى الفراغ
ليس معنا إلا بقايا مرآة
ووجه سقطت عنه الأقنعة
...................................
تنتقل الكاتبة هنا إلى جزء أخر من غزلها المتأني ... لحالة ترقب الفرد في وحدته وتأمله المتمادي...حالة شاقة لأنها خروج من الوحدة المحيطة إلى الوحدة الداخلية ... تلك التي ترينا أنفسنا عرايا ..(نرحل عرايا إلى الفراغ) والفراغ كما قرأته هو أضمار للمواجهة الذاتية مع النفس دون وجود آخر يدعوها للتجمل والمراوغة وابداء الاسباب ومحاولة إيجادها .... الفراغ الذي يعطينا الأمان لنعترف بأشد افعالنا قبحا وأكثر انفعالاتنا جنونا.. (ليس معنا إلا بقايا مرآة ) وكأنها بهذا تقلص المساحة التي من الممكن أن تعطي الذات وقتا للتفكير أو تلك التي قد تعكس من الذات حيوات أخرى أو وجود مادي مهما كان حتى لو كان مجرد فضاء يحيط بوجودنا ...(بقايا مرآة) لا نرى فيها سوى وجودنا المركز ... دونما أي شيء آخر....(ووجه سقطت عنه الأقنعة) وهذه الجملة زيادة في إحكام وجود الذات في مواجهة الذات...كأنها بهذا تسد جميع المنافذ لتلزم الذات على مواجهة النفس بصدق وصراحة بعيدا عما قد يؤثر فيها ....


هناك.. في أقصى زاوية من القلب
كلب يعوي
وصرير الأبواب الصدئة.. موسيقى المكان
هنا تركت الكاتبة الذات لتدخل إلى عمقها متأملة في مفرداتها الداخلية (أقصى زاوية من القلب) واختيار القلب جاء متوافقا سواء مع الوحدة والبحث عن الآخر أو مع الذات والبحث في تفاصيلها هي...(أقصى زاوية) تلك التي نخبئ فيها افراحنا الحقيقية وأحزاننا الأكثر إيلاما...الزاوية القصية التي لا نقترب منها إلا قليلا كبئر يخبئ عتمته وخوفنا كأسرار مغلقة ملتحمة لكنها لا تتحد في الوعي إلا قليلا...(كلب يعوي) وعواء الكلب في التراث دليل شؤم ونذير موت ...أو هو وجود غريب ينذر بالخطر وينبهنا للاحتراس...(صرير الأبواب الصدئة) إذا هو تواجد منقسم ... الكلب في عواءه ينبح على الذات القادمة لتعرية ماعلق بالروح من ألم ومرارة ... الذات القادمة لفتح الأبواب التي صدئت لطول لمدة .... فهل هو نذير شؤم أم هو وجود حياة بالصوت حتى وإن كان (عواء) ... (موسيقى المكان) هذه الجملة الحنونة وضعت كمفصل يأخذنا برفق أو يجرنا إلى تلك الخاتمة بما يشبه الخديعة ؟؟؟؟


وامرأة مفقوءة العينين تمزق جلدها بهدوء
لتصنع منه حذاء يدفئ قدميها

تقول الخاتمة ...أن (امرأة مفقوءة العينين تمزق جلدها بهدوء) ولنتوقف هنا قليلا ..اختيار المرأة يرجع للكاتبة والتصاق نصها بها من حيث تأملها وتلصصها ان جاز التعبير على المرأة من الداخل ....العمى هنا ليس اختياري ولكنه اجباري ... به قوة وظلم (مفقوءة العينين) لا يهم من أو لماذا .. لكن المرأة فقدت أهم الحوس وهوالنظر ... ذلك الذي قد يدلها على الطريق وعلى الصواب والخطأ وعلى النور والظلمة...وعلى كل ما قد يعنيه النظر والرؤية للذات وللاخر... وللحياة ككل.... لكن لماذا (تمزق جلدها بهدوء) وكأن الجلد شرنقة يجب الخروج منها حتى لو فقد النظر ؟؟؟ وكأنها تريد أن تخرج هذه الأنثى من سجنها الذي قد يكون جلدها ذاته... الهدوء هو الوعي المتأخر للذات .... لتصل إلى الخاتمة (لتصنع منه حذاء يدفئ قدميها ) وهذه خاتمة بعكس ما يتوقع القارئ لا ترمي بالنص في هاوية السوداوية بقدر ما تخرجه إلى نور ما.... صنع الحذاء دليل على معرفة الدرب ...ودفء القدمين دليل أكيد على معرفة الطريق القويم.... خاتمة مذهلة ونص في غاية الجمال....


تأمل مغرق بالوعي ...ملتحم بالذات الجمعية المطلعة والتي تأمل بالتغيير ... التغيير القادر على اجتراح معجزة رغم قلة الامكانات.. رضوى فرغلي تفوقت بنصها الصغير هذا على الكثير من النصوص الشعرية والقصصية التي تحدثت عن الموضوع ذاته...لكن بوعي خلاب...


ليست هناك تعليقات: