الاثنين، 7 فبراير 2011

(بيت المونة) قصيدة بالدارجة للشاعر شاهر خضرة



كلما كنت أمسك كتابا أشعر بأنني أمسك شيئا حيا... قد ينفجر في وجهي، أو يتسرب من بين يدي كحفنة ماء... وربما يلتصق بيدي ويلونهما بونه... كلما تهيأت لسماع شاعر قلت لنفسي لعلني أسمع شيئا جديدا ... وكنت في أغلب الأحيان اصاب بقليل من الدهشة ثم اسمع ثانية فتخفت واسمع ثالثة فتنكفي على نفسها ولا تعود تبين، عندما تهيأت لسماع الشاعر الذي أتعرف عليه لأول مرة مع مجموعة من الأصدقاء قلت لنفسي أتمنى أن لا أصاب بالدهشة كي لا أصاب بالخيبة فيما بعد....لكن (شاهر خضرة) الذي قرأ علينا عددا من قصائدة بتلك الأمسية جعلني أمتن لتلك الأمسية ولأمسيات كثيرة أمتعنا بها في أشعاره....سواء تلك المنشورة او التي لا تزال مرتبطة به بحبل سري لم يقطع بعد.....

بيت المونة كانت أحدى تلك القصائد التي جعلتني أصاب بما يشبه الدهشة أو كما قال النفري (كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة) وبالفعل ضاقت العبارة... كنت أستمع للقصيدة مرة تلو أخرى قد اعبر عن اعجابي بها أو جمالها ولكني أبدا لم استطع قول ما أريد بحقها... قصيدة تلتصق بالوجدان دفعة واحدة ... لتبقيك في حالة دهشة دائمة ... ليست الدهشة التي تنشأ عن شعر جميل أو كلمات بالغة الحساسية ولكنها دهشة تنشأ عن تشابك عميق ما بين القصيدة والقلب ... دون أن نستطيع فصل الشاعر واللهجة عما وصلنا منها....

((بيت المونة))

لم تأت التسمية عبثا ... ولكنها مكونة من كلمتين (بيت) (المونة) وهي التسمية التي تطلقها اللهجة العامية على المكان الذي يخزن به الغذاء خصوصا ذلك الذي يوضع لاوقات معينة... وفي وعي الطفل (بيت) تعني الأسرة (الأم) على وجه الخصوص وتعني الأمان .... تعني الحماية والدفء... و(المونة) تعني ما يمده بالحياة من طعام، طعام تعده الأم على الأغلب....

ولدتْ القطّه بْبْيت هالمونه

وخبَّت ولادا جنب كيس الفول

بالزاويه جوَّات هالجونه .

شاهر خضرة كشاعر يكتب باللهجة الدارجة ويبرع فيها ويكتب باللغة الفصحى ويبدع فيها أيضا لديه القدرة على الاختيار الصائب...بل لدى قصيدته أيضا القدرة على اختيار الولادة التي تخلقها شعرا سويا.... اللهجة الدارجة في هذه القصيدة لم تأت إلا لان هذه القصيدة لن تولد إلا بها ... الطفل الذي يولد لا يحتاج إلا لبديهته ليجد ثدي أمه، ليختار ما يناسبة من طعام ...ليبدأ مشواره في الحياة... هل هو خيار شاهر الشاعر ؟ أم شاهر الطفل ؟؟ ام خيار القصيدة ذاتها لتبدأ الحياة ؟؟؟؟

القطة (ولدت) و(خبت) وكأن فعل الولادة مقرونا بالمكان (بيت المونة) بما به من دلالات ذكرناها سابقا لا يكتمل إلا بالفعل الثاني (خبت) أي أن القطة الأم لم تقم بالولادة فقط وإنما بالحماية وبعث شعور الأمان ب (ولادا) لكن لماذا هذا الوصف الدقيق (جنب كيس الفول) (بالزاوية) (جوات هالجونة).... كاننا نستمع لطفل يؤكد لنا معرفته الحقة عبر وصف محكم وشديد الوضوح .. نستمع لصوت يريد أن يدلنا على معاناته الحقة وما يريد قوله دون أن يستطيع أن يقوله بشكل صريح ومباشر ....فماذا أراد الطفل أن يقول ؟؟؟؟

صدَّقْت ستّي * كثر ما بتقول

مجنون ـ عنّي ـ إبن مجنونه

ولان الطفل (يصدق) بمعنى يؤكد ما يقوله الكبار (كلمات) بأفعال ... وتأتي هنا (الجدة) كنوع من السلطة التي يرغب الطفل بتحديها وذلك ليس برفض ما تقول ولكن بتأكيده.. ولم تأت عفوا أو بدواع الوزن الشعري كلمة (ابن مجنونه) فمن المهم للطفل الذي لاحظ ولادة القطة وتخبئتها لاطفالها ...من المهم له أن يقتسم صفة ما مع والدته حتى لو كانت تلك الصفة (الجنون) .... وكأن التحدي لا يكتمل ولا يكون له معنى أن لم تأت الصفة لتقرنه ب(والدته) .... (ابن) تلك العلاقة التي تربط القطة بصغارها والطفل بأمه والفعل برد الفعل..... تلك العقدة التي نشأت عنها هذه الحبكة المدهشة حد الألم .... (ابن)....

شلْت القُطط لزْغار من بيتُن

وبسَبت ستّي رحت حطِّيتُن

في القصيدة تتكرر افعال الحركة (شلت ...حطيت) حركة عامودية او (ولدت ...خبت) حركة أفقية وهذا ايضا يتماشى مع طبيعة هذه الحكاية وطبيعة هذا الطفل المشاكس هذا الطفل الذي يفتقد إلى (بيت المونة) وإلى ما تملكه هذه الكلمات من دلالات لا يستطيع أن يقدمها صريحة وواضحة في ذلك العمر....

رجعِتْ القطّه وجنَّت بهالليل

وضروعها تفصَّد لبن وتسيل

من صوتها فتيلةْ الكاز تميل

لماذا (رجعت) لماذا هذا الفعل ؟؟؟؟ نعرف أن القطة لا تترك صغارها إلا لتعود إليهم وإن تركتهم تتركهم بأمان ... لكن القطة المنكوبة والتي ظنت انها تركت اطفالها بأمان عادت لتجد كارثة الفقد.... (جنت) لماذا فعل الجنون بالذات ؟؟؟ قد يقول قائل أن هذا تعبير طبيعي ويستخدم في مثل هذه المواقف لكن قد يكون ذلك في تفسير للكلمات العادية لكن الشعر الذي يولد كالنبوءة ويخلق ذاته كإله لا يكون هكذا.... صورة رائعة بحسيتها وبنبضها بالحركة واللون والصورة .... بالمفردات وتداعياتها .... وبما تحمله من نبض الشعر ونبض الطفل.... ونبض الحيوان الأخرس ذا المشاعر البديهية التي لا تتلون ولا تحمل سوى معناها الحقيقي ....


وستي تتمتم شو جرى شو صار

ما صارلها يومين ولدانه

شو مهورنِه رجعِت الملعونه

من الصعب بمكان أن اقول كل ما تستدعيه هذه الكلمات بل من الصعب على طبيب في علم النفس أن يصل للقدرة الفائقة لطفل سارد لتحليل ابعاد هذه الكلمات وعمقها... لكني سأحاول أن اعرف ما ارادت قوله (الجدة) فهل هذا تلميح من الجدة بحق الأم ؟؟؟ تلميح يتماشى مع تلك العداوة التي رصدها الطفل اولا (مجنون أبن مجنونه) ... فهل تستطيع الأم ترك اطفالها (حديثي الولادة) أو (صغارا) لتلاحق شهوتها (مهورنة رجعت الملعونة) هل هذا حكم أم تساؤول ؟؟؟؟؟ كلمة (تتمتم) أي تتحدث لنفسها تدل على دقة ملاحظة الطفل ورصده الدقيق للعلامة ما بين الجدة والأم .... فالكلمات رغم انها لم توجه بشكل مباشر للطفل إلا انها تعنيه ......

وتلوب قطّتنا بأرض الدار

تملط بزازا متل شهوانه

وتْشمّ من كل الزوايا غبار

متل اللي أدمن شَمّ أفيونه

الصورة رغم بساطتها إلا أنها تحمل في طياتها الكثير سواء من وجه نظر الطفل أو الجدة أو حتى الأم / القطة .... (تملط بزازا متل شهوانه) واختيار الكلمات هنا موفق حيث أن الاشارة للثدي - أي للعلاقة الأساسية ما بين الطفل وأمه ... ما بين القطة وصغارها .... العلاقة التي تشكل الأمان والغذاء (بيت المونة) تلك العلاقة التي يفتقدها الطفل ويلوم الجدة عليها كما سنعرف من متابعة القصيدة - السرد....

لاحظَتْ ستّي خيال عالشبّاك

( شاهر ولاه ! شو القصّه قول

القطّه شو باها شو عملتلها ؟ )

قد أكون توقفت كثيرا عند احداث القصة ولم اتوقف عند عبقرية السرد في هذه القصيدة الرائعة ... ربما لأن ما تبعثه الصورة من استدعاء حقيقي للحدث لنعيشه بتفاصيله يجعلني عاجزة عن ادراكه ككلمات وكتابة منفصلة لانني بالضرورة اعيشه في كل مرة اقرأ او اسمع القصيدة .... واتذكر أنني في المرة الأولى التي سمعت فيها هذه القصيدة رأيت في عيني الشاعر ذلك البعد الرهيب للزمان الذي استدعاه عبر قراءته للقصيدة كأنه يمسك بالحدث بكامله ليعيده حيا وطازجا يرمينا إليه أو يرميه أمامنا لنعيشه ...

قلت : يا ستّي أنا وهناك

تذكَّرْت أمِّي وطردتك إلْها

خبّيت عنها ولادها لزْغار

(يا الله) .... في المقطع ما يستدعي ألما حقيقيا يحمل دفء الجرح الطازج .... يحمل حجم الفقد والالم وبعده في نفس الطفل وفي نفس كل من يسمع هذه القصيدة أو يقرأها .. ألم خالص ... لا يتطلب بالضرورة فقد أم او قسوة جدة او فراق... لا يتطلب حنين ما أو خيبة ما ليعبر عن ذاته ... وهذا بالتأكيد ما يشعر به كل من وقف أمام هذه القصيدة ... مستمعا او قارئا.... الم لا يمر على القلوب مرور الكرام الا كانت قلوبا ميته حقيقة ....

وحطِّيتهُن بالسَبَت يا ستّي

مع ثياب الـ رَح تلبسيهُن

بكره عَ ظهر النعش لومتّي

العبقرية في هذه القصيدة تكمن بتلك التعابير والصور التي تقال على لسان الطفل ومن أفقه لكنها تنسل من مسام القارئ/الشاعر/ الطفل/ الجدة / الام ...من كل الشخصيات التي تشكل اللحظة ... كأنها الماء في شفافيته وفي التحامه مع الماء....يصعب معرفة حدود القطرة عن القطرة ...

( ألله يخرب بيتها أُمَّك

يا شقي يلّلي الحقد من دمَّك )

ترى أي ألم اعتمل في صدر ذلك الطفل في تلك اللحظة الفاصلة في حياته .... أي شقاء ذاك الذي أوجد القصيدة والفعل ...؟؟؟ وما الذي نستطيع ان نقرأه مما بقي من القصيدة ؟؟؟؟ ألم القطة لفقد صغارها ؟.؟ لعودتهم إليها ؟؟؟ لقدرتها على ارضاعهم ؟؟؟ الصغار وعودة الامان والطعام إليهم ؟؟؟ الشعور بالامان .. الشوق ؟؟؟ ماذا عن الجدة ؟؟؟ لسانها السليط ؟؟ الام ؟؟ صدرها (صدر أمي بقي نشفان) جملة محايدة ربما لا تظهر مشاعر الام ولا حتى ألم الطفل لافتقاده لحنانها وارضاعها .... لكن هذا الحياد لا ينفصل عن اجواء القصيدة ولا عن المشاعر التي غلفت القصيدة ككل ....

القطّه وراها قلبها محروق

وقفت القطّه بظهر هالصندوق

ونقَّط حليب بزازها من فوق

رضعوا القطط من أُمّهن بشوق

وخطَّتْ القطّه بصوتها الرضيان

نامتْ وكانت راضيه عنّي

لكن صدر أمِّي بقي نشفان

لا شفت صدرا ولا رضَّعتني

ولسان ستّي قرضتوا الديدان

مَـدْري رضِي أو ما رضِي عنِّي .


أخيرا ... أعرف أنني لم اقل ما اردت قوله في حق هذه القصيدة ..واعرف انني في لحظة ما كدت ألغي كل ما كتبته لأن القصيدة من تلك القصائد التي تترك قارئها مشدوها لا يستطيع أن يقول في حقها كلمة ... وليس لانه مر عليها مرور الكرام ... بل لانها علقت في روحه إلى الابد .... وتسربت إلى مسامه دون ان ينتبه ..... هنيئا لك يا صديقي بهذه القصيدة الرائعة والتي تبعث في كل قراءة كأنها تولد من جديد....


ليست هناك تعليقات: