الجمعة، 4 يوليو 2008

قصيدة (كلما) للشاعر عبد الوهاب أحمد


هل يستطيع الشاعر أن يبدأ من البداية ؟؟ أم عليه أن يمتطي موجة عاتية ليقدم لنا جزءا من نهر ممعن في الغضب ؟؟ .. هاهو الشاعر عبد الوهاب يبدأ من منتصف النهر.. (كلما) كلمة ليست وحيدة وليست هادئة ... هي امساك الحدث من منتصفه..من طرفيه..

كلما هبت الريح أصغيتُ
عيناي قافلتان ِ
وقلبي مضارب عشق ٍ
وروحي مدائنُ
لم تغرب الشمس عنها


( الريح والقافلة والمضارب والمدائن والشمس... هي مفردات تتكرر في قصائد عبد الوهاب أحمد مفردات تسكنه.. وكأنه يحاول أن يملك ناصية القول بالامساك بناصية التاريخ... فقصائده لا تخلو من الجذور العربية الضاربة في القدم لتصعد هكذا ودون استئذان إلى رحم السماء...لتقدم لنا قصيدة مختلفة قصيدة فيها روح الشاعر...
في هذا المقطع يوقظ الشاعر احاسيسه كلها (الاصغاء/العيون/القلب/الروح) في هذه الحواس الأربع التي نثرها الشاعر أمامنا في المقطع الأول من القصيدة تناغم وتكامل فحاسة السمع وحاسة البصر صنو للقلب والروح وكأنه اراد ان يوازن بين الإدراك المعنوي والإدراك المادي..

ولم يقترب
من شواطئه البحرُ
إلا له في جوانحها
وله ٌ وعناق .


(البحر والشواطئ تقابل المضارب والمدائن ... فهل نستطيع أن نتلمس هذه الثنائية المتناقضة ولكنها متكاملة في روح الشاعر ؟؟ نعم فقصائد عبد الوهاب الأخرى لها هذا التناقض الجميل ...
وكانها تعكس روح الشاعر القلقة والباحثة دوما عن أفق ما...

بحة الناي
دمعة طفل تسيل
ذاك وقع مطارق َ
تلك نعال أبي
ذاك حان يضج
بتبغ وخمر
وإغنية
ذاك مسرى نبي
صرخة كسواد الغراب
ظلام بذيئ الملامس
يقتات من عمري نصفه
كل يوم ٍ ...
ونصف .... معاق .


(الناي الذي يئن/ الطفل الذي يبكي/المطارق/ووقع النعال/ والحان الذي يضج بمفرداته ..والأغنية
أجواء ممعنة في الحاضر الذي نحياه.. اجواء تورث الشاعر شجنه الذي يستقي منه قصائده وتمردة على ما يعانيه...
يحضر الأب في نصوص عبد الوهاب وكذلك القبيلة أو السلطة التي تشكل في فضاء روحه سلطة غاشمة لكنها في نفس الوقت تدعو للرثاء.. كما حضرت من قبل هذه السلطة في قصيدته (متى يكبر الأحفاد) وفي قصائد أخرى غيرها...هذا الهاجس الذي يؤرق الشاعر دوما فيحضره في قصائده كلها باشكال مختلفة لكنها كلها تحمل روح الشاعر الرافضة والمتمردة وكذلك الساخرة، نأتي للجزء الآخر وهو (مسرى نبي) فهل نلمح هنا إذا ما نظرنا لأبعد من الكلمات رفض الشاعر لما خلفته السلطة التي يتمرد عليها باستمرار ... سلطة تقزم الإنسان عن طريق الامساك به من إيمانه الديني وتحويل هذا الدين إلى أداه تاخذ ملامحها من ملامح الجهل الذي يحيط بفهمها وفرضه على الآخر.. ؟؟ أليس هذا ما حاول أن يطرحه في قصيدته (أرى الشيطان) ؟؟ بالطبع لكل قصيدة اجواءها الخاصة ولكن كل القصائد تصدر عن روح واحدة... هي روح الشاعر وما ابتعادي عن تحليل كلمة (مسرى نبي) بمفهومها المكاني والزماني والإيماني أيضا إلا لقناعتني أن هذه الكلمة أتت للرفض والتمرد بدليل ما تبعها من كلمات (صرخة/سواد/غراب/ظلام/بذيئ/يقتات/معاق) كل هذه المفردات تؤكد على الملل والتبرم الذي يعتمل في نفس الشاعر..

لست أسمع ....
كيف فمي يستطيع الكلام
وكيف دمائي بلا ضفتين
وليس لديها مصب ولا شق ٌ
فيه حزني يراق ؟.


(لست اسمع... كيف فمي يستطيع الكلام.. في هذا المقطع نستطيع أن نعرف صوت الشاعر .. وكلماته التي تنتمي إليه دائما... وطريقته المميزة في دخول الحدث بطريقة مختلفة ..طريقة تميز عبد الوهاب أحمد عن غيره من الشعراء... فنفي السمع أتى قبل السؤال عن كيفيه الكلام.. السؤال الاستنكاري المحتج ...
في هذا المقطع أستطيع أن أقول جزء من اسلوب عبد الوهاب احمد الكتابي..بل حتى اسلوبه في التفكير... واستدعاء الذاكرة .. اسلوبه في الصراخ والثورة وحتى الاحساس بالالم...)

كلما ضاق صدري
مشيت وأمي هنا وهناك
لم تكن بيننا رفقة
لم نكن نلتقي
إنما هي تعرف رائحتي
رغم عطري
وأعرف طول جديلتها
رغم أني تعبت أحاول
فك عباءتها
علمتني مواجعها
كيف أشرع صدريَ حقلا
وصبري ينابيعُ تجري
سيول براق .


(الأم حضرت في نصوص أخرى للشاعر لا اتذكرها على وجه الدقة لكني اتذكر انها تحضر دائما بحنان... ومحبة... بعكس صورة الأب الذي يحضر على النقيض من ذلك.. تحضر رغم قوله (لم نكن نلتقي) وهنا هل يلوم الشاعر نفسه ؟ وهل عدم اللقاء الجسدي نفى اللقاء الروحي ؟؟ يدرك الشاعر أن اللقاء الروحي أهم بكثير بل يدرك عمق هذا الحضور في نفسه واظن أن هذه الصورة للام من اجمل الصور التي عبر بها الشاعر عن الام... فرغم الابتعاد (لم نكن نلتقي) كان هناك تداخل عميق لدرجة كبيرة (تعرف رائحتي) (تعبت أحاول فك عباءتها) (علمتني) إذا هو التحام رغم انف الفراق.

كلما لاح غيم بكيت
أزائرنا ما أقام عسيب ؟
أم البيد عاتية
أم حبيب هناك
وراء السفوح
ينادي تعال ؟


(يصغي الشاعر دائما لاصوات تسكنه ... تحلق كلما ترك نفسه لتحصدها الاماكن والهواجس والاشخاص... وكأنه يحاول دائما القبض على الصدى وايقافه في لحظة تلاشيه ليبقيه ضمن صور المخيلة أو هي الحياة التي يريدها الشاعر ماثلة أمامه... بكامل تفاصيلها )

إيه زائرنا
أيها الفض
تعرف من أنت
من نحن
تعرف شوق مواسمنا
كم سقتك قصائدَنا
كم دعتك نوافذ ُنا


(تساءلت عن كنه هذا الزائر الفض ..الذي يحدثه الشاعر وحاولت أن اعاود النظر عليّ أجد ملامحه لكني وجدته وكانه الشاعر يحاول أن يغضب لنفسه من نفسه...فالزائر الذي تحول بعد قليل إلى غجري...والذي سيدير له الشاعر ظهره بعد قليل هو صورة للشاعر ذاته ولكن ببعد مختلف كأن الشاعر يقتفي آثار ذاته الحرة وذاته الراسخه تحت ظلم وجودها المسير...وكأن الشاعر يقيس أبعاد نفسه ويحاول التعرف عليها بُعدا بعدا...

أيها الغجري
متى تنتضي وطنا هو مثلي
غريب طريد
متاح له الموت حيث يريد
مباح ككوم رماد


(سأتوقف عند هذا الجزء عند مفردتين (غريب طريد) و(الموت) يظهر هذا العمق الفاجع في كثير من قصائد عبد الوهاب أحمد حين يحاول الالتصاق بذاته وعالمه ويلتزم بمورثه الذي يستقي منه قصائده... هذا العمق الذي يقود بالضرورة إلى الانسان العربي والمسلم... الإنسان الذي تمزق وانتعلته خيبته ومضت به نحو التهلكة )

إيه زائرنا ...
لم يعد لك ذكر هنا
فارتحل ...
قبلاتي لهم .. كلهم
كل من مات لم نره
ورأى كيف ماتَ ......... فعاد .


(لم يعد لك ذكر هنا فارتحل...هل صدق حدسي بان الزائر هو صورة من صور الشاعر التي يدركها ؟؟ ربما فطلبه الرحيل للزائر دليل على ذلك... خصوصا بعد أن اكد له (لم يعد لك ذكر هنا) وكأني ألمح الشاعر وظله (الزائر) يتقابلان في لحظة لا يستطيع تصورها سوى الشاعر ذاته... يحاول كل منهما استيعاب الآخر ورفضه والسخرية منه... يحاول كل منهما ان يتجاهل انه صورة دون ان يكتشف أو يحاول احدهما أن يكتشف من منهما الاصل... فيتحدثان... يمقت كل منهما الآخر او يسخر منه او يرثي له ..ثم ودون أي كلمة ينفصلان... ويمضي كل منهما إلى ذات الاخر..)


كلما جن ليل ... جريت
ويجري ورائي
فأجري ويجري
وأجري ويجري
وأجري ويجري
أحس دوائرَ
فيها دوائرُ
فيها دوائر
فيها أدور
أدور أدور أدور
أقيئ عقارب ساعـتـنا
أنحني ....
أتلمس وجهيَ
صدريَ ... ساقيي َ
أشتم ... ألعن
أبصق فوق ثيابي
يسيل على جثتي جثة
أستعيد لهاثي مرا
رويدا رويدا
أكابر .... أصلب عوديَ
أين أنا ....؟
كيف جئت هنا
أيها الألق المستباح بنا
من أنا ؟
كلما كدت أنسى
تمرد من برعم الصخر غصن
تمدد بين عيوني .... نما
كلما قلت لا
صفعتني نعم ..... ربما
كلما زدت حرفا تقمصني
سقطت ْ كالمشيمة نائحة ٌ
ومشى البدر نحوي مكتحلا
وغفى البحر فجرا
على قدمي
كلما سرت وحدي
طليقا كأمنية
نهشتني خطاي
غمزتني مزامير
جد أبي
كان يعزف عن جده
حصبتني تماثيل أنثى
على فخذيها
ينام هبل
وجدتني النجوم قريبا
فنادت خيول السماء
قريبا يعود ويمضي سواه
قريبا يموت ليحى سواه
فاصهلي يا خيول
نزف إليه الحياة
كلما ربما كيفما عندما
ريثما حيثما


في هذا الجزء أرى الشاعر وقصيدته وذاته المنفصلة عنه ومحاول مضنية منه لقذف كل ما حاك في نفسه من قوة الرفض والسأم وحتى الحنين والالم في هذه القصيدة... أحيانا تنضج القصيدة كلمة كلمة لتكتمل سوية في جزئها الأخير...هل هذا ما حصل هنا ؟؟؟ هل استطاع الشاعر في هذا الجزء أن يكتب قصيدته من جديد ليستعيد القارئ بعد النهاية إلى بدايتها ؟؟ ليحاول تلمس ملامح كلمة (كلما) و الاصغاء إليها بصوتها المبحوح من الصراخ المر ؟؟؟ هل انفصل الزائر عن ذاته واخذ يغوص في وحولها حتى العمق ؟؟
لنرى (كلما جن ليل..جريت)
وكان لحظة الاكتشاف تتكرر بصورة متواترة مضنية مقيته في ذات الوقت .. كتتابع الجري .. حتى يتحول إلى دوائر ... والدوائر تتعاقب لتصبح جزءا من ذات الشاعر (اقيئ عقارب ساعتنا... ) وكأنه تقمص الزمن أو ان الزمن سكنه..حتى أصابه الغثيان...ثم (أنحني..اتلمس وجهي ..صدري ساقي.. اشتم العن) هل اكتشف الشاعر أنه هو نفسه زائره ؟؟ وأنه (يبصق) على جثته ؟؟ ثم هذا السؤال المرير (أين أنا) (من انا) وهذا السؤال اتخذ مسارا متصاعدا فالسؤال الذي بدأ ب(أين) سؤال يعرف الشاعر تماما أنه سؤال يخدع به الذات... والسؤال الصحيح هو التالي (من) لأنه يعرف بل يدرك تماما ومنذ البداية من زائره الذي هيئا له منذ بدء القصيدة الاجواء ليخرج وليحاوره ثم يتمرد عليه أو يرفضه أو يرمي في وجهه كل هذا التردد والحيرة والحنق..
لكن هل استطاع الشاعر أن يتخلص من زائره (ذاته) المتخفية والتي خاض معها هذا ... ساسميه القتال ؟؟ أظن أن الشاعر في نهاية قصيدته أصابه شييء من التعب الذي يصيب غريمين اقتتلا حتى الضجر ...وفقدا التمييز فاختلطت عليهما الرؤية ... والتمييز.

(بقي أن أقول أنني في هذه القصيدة كتبت تعليقي مباشرة كالعادة ولم أطبع القصيدة كما تعودت مع قصائد اخي العزيز عبد الوهاب فإذا كان هناك قصور فهو مني... وما احجامي عن قول المزيد إلا لمعرفتي أن القراء سيمرون على القصيدة وكل منهم لديه ما يقوله...

ليست هناك تعليقات: