الخميس، 3 يوليو 2008

قصيدة (القنفذ) للشاعر آدم فتحي



عشر مقاطع تبدأ برحلة الخروج من الجسد وتنتهي بكلمة تتحدى الموت..هل هي الرغبة بقراءة الذات من الداخل أم هي الرغبة في معرفة المزيد… لقد اختار الشاعر القنفذ ليقول على لسانه مع كائنات أخرى ما يريده وذلك ليس رغبه منه في اختيار أجواء مفتوحة وجميلة للتأويل ولأن يحط القارئ برحال عقله المتعب فيها وإنما لمغزى أبعد وأعمق من هذا ورغم معرفتي الشاعر من كتابات سابقة ومعرفتي التامة أنه من العمق بحيث يستطيع أن يحكم طوق كلماته حول القارئ فلا يدعه إلا وقد أخرجه مثقلا بكثير من الحبال التي تجره جرا لمساحات النص البعيدة إلا أنني هنا أستطيع أن أقول أن الشاعر اختار القنفذ لغرض في ذاته بعيدا عن القارئ ..اختاره متأملا المساحة التي سيحط بها رحال النص وما وراء النص من أبعاد فلسفية عميقة …وكأنه بهذا يتجاوز المسافة ما بين القنفذ ككائن وكنص وما بين الشاعر كروح وكلمات … استطاع الشاعر أن يلبس قناعا ليتخذ له مكانا حقيقيا في أجواء نصه دون أن ينسى أن يقفط على الحياد تماما كما حدث مع قنفذه روحا وكرة شوكية..
1
من جسَدِهِ يخرجُ وفي البراري الواسعة يسرحُ القُنْفُذُ
مُقْتَفِيًا أَثَرَ النباتات المُقيمة في شُقوق الروح
عندما نقابل ما بين الكلمات في هذا المقطع نجد أن كلمة (القنفذ) وقعت في ذيل الجملة الأولى كما فعلت كلمة (الروح) وهذا حدث ايضا مع الكلمات كلها تقريبا (البراري الواسعة) و (النباتات المقيمة في الشقوق) (من جسده يخرج) و (مقتفيا أثر) قد تبدو الحركة ممتابعة فالخروج من الجسد واقتفاء اثر النباتات كلها حركة تدل على التقدم للامام ولكن هذه الحركة الذكية جعلت كلمة الروح تأتي في خاتمة المقطع وكأنها حائط رد هذا التقدم وأوقفه تمهيدا للمقطع التالي أو هو خلاصة ما سوف يأتي من مقاطع
2
وراءً في الليل تحتَ زَهْرَةِ عبّاد الشمس
يظلُّ الجسدُ (آنيةُ الخزفِ الفارغة) يفكِّرُ طويلاً
كيفَ ينامُ الفارغُ من المعنى
وكيف تكون لهُ أسبابٌ للفرح بالحياة
لا يخطئ القارئ المتأني البُعد الفلسفي للنص رغم أن النص لا يخطئ هدفه حتى مع قارئ لا يدرك تماما ما أراده الشاعر في كتابته هذه… وهذا النوع من الكتابة اسميه الكتابة الحقيقية لأنها كتابة بقدر ما تلتحم بذات الكاتب تلتحم بروح القارئ وتقدم نفسها بصور مختلفة متباعدة او متباينة لكنها في النهاية تمتح من عمق واحد هو ما تساءل عنه جسد القنفد في ذاته (كيف ينام الفارغ من المعنى وكيف تكون له أسباب للفرح بالحياة) اختيار زهرة عباد الشمس لينام تحتها الجسد (آنية الخزف) ذكرني ببحث ابراهيم عليه السلام عن خالقه … فالزهرة التي تدور مع الشمس وكأنها تتعبدها أو انها تبحث عن معنى ما في ذلك النور البعيد …هي تماما كالجسد الذي يبحث في روحه عن معنى ما وهي الصورة التي تنقلها لنا حكاية ابراهيم ويأسه (ليس هذا ربي) ولكن هل اسباب الفرح بالحياة تلتحم دائما بايجاد المعنى؟؟ أم أن الحالة هي حالة وعمق الشاعر ذاته ؟؟
3


روحي بعيدةٌ (يقول القُنْفُذُ) روحي قريبةٌ
هناك على النجمة الزهراء
أو هنا تحت ورقةِ الخبّيزى
هذه التي يُدَغْدِغُها الربيع


المساحة التي تتحرك فيها الروح تحت عيني جسدها المنتظر مساحة متذبذبة ما بين (بعيدة) و(قريبة) و (على) و(تحت) لكنها مساحة مفتوحة دائما ورحبة …مساحة تعكس روح الشاعر الذي لا أعرفه شخصيا لكني متأكدة أنه يحمل روحا مفعمة بالبهجة التي تعكسها اختياراته للكلمات ….
4
وماذا ستفعلُ ( تسألُهُ السلاحِفُ ) إذا فاجأتْكَ الريحُ
ولم تجِدْ جسَدًا تخافُ منْهُ
لم تجِدْ جسدًا تخافُ عليه
هل تستطيع أن تقاوم؟
يتقدم النص نحو اسئلة أخرى يطرحها الشاعر بتأن شديد على لسان مفردات عالم اقامه بوعي متوحدا فيه مع ذاته (جسدا تخاف منه) أن يخذلك (جسدا تخاف عليه) أن تخذله … هنا لكل مفردة بُعدها الخاص ومقابلها الحقيقي في عالم البشر كما في عالم الكائنات الأخرى والطبيعة … يترك آدم فتحي الاسئلة مفتوحة في أكثر من مقطع وكأنها رغمة منه ليس في البحث عن إجابة وإنما في القاء ظلال كثير من الاسئلة التي تحاشى طرحها في النص ولكنه ترك اطرافها ماثلة امامنا.
5

سأجْرِي في الجداول (قالَ) عارِيًا حافِيَ القَلْبِ
سأبنِي من حَطَبِ المدينَةِ بيْتًا وأُصْغِي إليها
تتنهّدُ تحتَ شُبّاكِي
أَمّا العُمرُ الضائِعُ (يقول) فَلْيَضِعْ هكذا للمرّة الألْف
إن لم يكن فرصةً للجسد
كي يلحق بروحه الشريدة
النص متماسك بشدة حتى كأن المقاطع وتقسيمها أتى ليزيد من التحامها وليس من تباعدها فالقنفذ الذي بدأ في التحدث مع نفسه والفرار إلى روحه تحدث مع كائنات اخرى واحضر الريح المذكورة في المقطع السابق لتتنهد تحت شباكه في هذا المقطع ! فهل هذه طريقة الشاعر في نقل الاحساس الكلي والعام في القصيدة بكل مقاطعها ليقدم لنا هذا الاشتباك والتباعد الالتحام والتنافر ما بين الروح والجسد وما بين المعنى والكلمات؟؟
6

حِزْمَةُ الإِبَرٍ قُرْبَ جِذْعِ الخرّوب تظلُّ تبتسِمُ في صمت
فارغَةً من دوْرِهَا القَدِيم
هذه الاستراحة التي اطل فيها الشاعر على قنفذه أو التي اطلت فيها الروح على جسدها القديم تشير بشكل خفي الى (الدور القديم) ل(حزمة الإبر) وهو الدور أشار إليه الشاعر دون أن يؤكد عليه أو ينفيه (الجسد والروح) وعلاقتهما المتشابكة بقدر لا يحير الكاتب وإنما يمنحه المزيد من التأمل عبر اسئلة عميقة ليس فقط في معناها الروحي وإنما في معناها الواقعي
7

وماذا ستفعلُ (تسألهُ الحلازن ) إذا صادفك الحطّابون
أو وَقَعَتْ على رائحتك كلابُ الصيد
هل تتغطّى بِبَرَدِ الشتاء
هل تستظلُّ بشمس الصيف؟
السؤال في المقطع السابق انصب على الريح والطبيعة وهنا في هذا المقطع اجمل باقي الكائنات (الحطابون) و(كلاب الصيد) وكأن بهذا تكتمل دائرة الكون حول هذا الكائن الذي بدأ يتخذ معنى أكبر من كونه جسدا مليئا بالاشواك ولكن ليس للايذاء كما يعتقد البعض وإنما لرغبته بحماية نفسه.. ترى حتى يدرك القارئ أن كثير من البشر قنافذ لكنها متحيرة في (دورها) أي هل هي للايذاء ام هي للحماية ؟ ذكر الشتاء والصيف لم يكن تقديما لحل بقدر ما كان نثرا لعدة وجوه مختلفة ومتناقضة للدروب التي قد تسير بها الكائنات في مواجهتها لما ينتظرها ..
8
أعْزل (إلاّ من نفسه) يظلّ القُنْفُذُ يتأمّل جسَدَهُ الفارغ
فِيمَا الإِبَرُ( نفسُها) بَعِيدًا
أحلامٌ تكتبُ على عيونِ الصبايَا الليْلَ فيضيء


هنا رغم جمال المقطع الذي بدأ بمفتتح قوي جسدا في تأمل القنفذ لجسده الفارغ ألا ان الجملة في السطر الثالث بدت لا تنتمي لذاتها ولا للنص..قد تجد هذه الجملة من يدافع عنها ويحبها ضمن السياق لكني وجدتها كأنها خيط أفلت في لحظة ما… على أي حال ربما أن هذا الانطباع ولده تحليقي مع الجملة الاولى وابتعادي في اجوائها ورغبتي ان تكون للابر ذاتا مختلفة تفكر كما الجسد والروح فهي تملك دورا يشبه ما للصوت عند الانسان من دور…. فحظرت احلام الصبايا لتفسد عليّ ما توقعته لكنها بالتأكيد لم تفسد على المقطع ابعاده .
9
أنامُ ( سيقولُ ) لكن بعْدَ أن أفْرَحَ
بِعُرْيِي
أتى هذا الجواب متأخرا عن السؤال بمسافة مقطع واحد وكأنه بهذا يأخذ الفترة اللازمة للتفكير بالاجابة أو للممارستها بشكل حقيقي… والنوم هنا مقابل حقيقي للموت في المقطع التالي ولكن (بعد أن أفرح بعريي) والعري المقصود هنا هو عري يعرفه الشاعر ويبحث عنه ويأمل به، هو العري الذي يجعلنا نتأمل ذواتنا ونتوحد مع ارواحنا ونقف في الزاوية البعيدة ..زاوية النظرة الشاملة والعميقة المتأملة للحياة بكامل تفاصليها والمتوحدة مع الذات والمنفصلة عنها بذات الوقت بوعي تام وحقيقي وعي لا يتأتى للكثيرين لكن هنا بدا واضحا أن الشاعر اختبره وتصادق معه وقدمه لنا بايجاز وجمال حقيقي
10
أمّا الآنَ أيَّتُهَا الغِوايَةُ
خُذِينِي إلى الحَياةِ زَهْرَةِ البراكينِ
لاَ خَوْفَ عَلَيّ
خُذِينِي إلى النواةِ المَحْض
أَلْقِي بِي مثْلَ كِيسِ التَمْرِ عَلَى كَتِفَيكِ
…………..
لَنْ أمُوت
قبْلَ أن أمُوت.
لن اتوقف طويلا عن هذا المقطع ألا في كلمته الأخيرة (لن أموت قبل أن أموت) هل هي الحكمة التي وصل إليها الشاعر عبر رحلة قنفذه الجميلة تلك أم هي الحكمة التي يجب أن نؤمن بها ونتبناها من وجه نظر عميقة البعد قامت بالرحلة كاملة لتصل لهذه الخلاصة ؟؟ قد نموت احيانا قبل الموت وقد نموت أحيانا مع الموت ولكن هذه الكلمات لا تقف عند حد الموت وإنما ورغم انها تقول انها ستموت مع الموت في قراءة نجتيف الكلمة لكني اقول انها تلقي ظلالا ابعد من هذا لتقول انها لن تموت ايضا حتى بعد الموت.


لم اقرأ نصوصا شعرية منذ مدة لكني سعيدة بقراءة هذا النص الشعري الجميل..


ليست هناك تعليقات: