
ينبغي لي أن أصمت طويلا لتحية إنسان استطاع أن يقبض على السراب/الأمل في قلب إنسان يموت عطشا ثم يطوح به على أكتاف السماء لينثره مطرا لكل القلوب الجافة...من العنوان يقبض علينا (الجبور) ليقول لنا انتبهوا لغياب الصوت... فالصوت شيء خارج من ذات الإنسان منفصل عنه بذات الوقت... لكن غياب الصوت (الخرس) إشارة لاتحاد الجسد بما يصدر عنه من رؤى وبوح... وبهذا العنوان يبسط لنا الشاعر تلك الغواية التي تأخذنا إلى منابع الدهشة في عمق الكلمات...
(ينبغي لي أن أفتحَ صدري
ككتابٍ في الريحْ
ينبغي لي أن أزعق عالياً)
في كلماته المنتقاة بعناية يأخذنا الشاعر إلى عالمه، العالم المليء بالصوت (الغائب في العنوان) فكلمة (افتح) فعل يستدعي بالضرورة صوت، كذلك (أزعق) وهنا نكتشف أن الشاعر استطاع بمهارة ودراية تامة بما يريد قوله أن يأخذنا لعالمه ليحلق بنا مع (الطيور المهاجرة)
أقبلي أيّتها الأرواحُ الحُرَّةُ ،
أقبلي
واقرئيني كما تقرئينَ النّجومَ
سطراً فسطرا
وهنا يفتح لنا أفقاً لا يحده شيء (المهاجرات) كلمة تفتح المساحة على القلق، (الحرة) كلمة لا تقف عند حد، (النجوم) تهبنا السماء بكل ألقها.. وأقف قليلا عند كلمة (الأرواح) لأقول للشاعر .. أفتح صدرك ككتاب مفتوح للريح...لأننا نستطيع من خلال كلماتك أن نحلق نحو عمق الكون...كلمة (الأرواح) بفضائها الواسع سواء المكاني أو الزماني .. نحن لا ندرك الروح لكننا نستطيع أن نتخيل ذلك البعد الذي رسمه الشاعر واستدعاه بهذه الكلمة المكثفة لما يود أن يقوله..ولما سوف يشير إليه في النهاية (تموت ولا تطير) إذا روح الشاعر وأفقه أكبر مما تستطيع هذه الحياة أن تحتمله والحرية المنشودة لديه لا يتسع لها الكون بمفرداته المحدودة..
واقرئيني كما تقرئينَ النّجومَ
سطراً فسطرا
اقرئي ندوبَ قلبي الزرقاء
وتقرَّيْ في نقوشِ أضلعي
على مَهَلٍ ،
ثمّ طيري في أعالي السماوات،
وصيحي ...
أيقظي الأشجارَ والأنْهارَ والصّحارى
وحدّثيها عنّي
الفضاء الذي وضعه الشاعر هنا لتحلق به (الطيور) التي وهبها سر قلبه، فضاء يشمل الطبيعة بمفرداتها (النجوم/السماء/الأشجار/الأنهار/الصحاري) ليهبها ذاته التواقة للحرية (اقرئي/نقري/صيحي/حدثيها) وكل هذه الكلمات كلمات تنافي (الخرس) لكنها صادرة عن ذات أكثر حرية من ذاته... وأتت هذه الأفعال مرتبة كالتالي (اقرئي) تحمل معنى الهدوء والتأني..(نقري) أي تابعي القراءة ولكن بوحشية أكبر...(صيحي) استدعي انتباه هذا الكون.. ثم عودي بحنو وحدثيها عني....نجد في هذه الفقرة تقابل جميل بين (ندوب قلبي الزرقاء) و(أعالي السماوات) ومن الوهلة الأولى يظن القارئ أن الزرقة والسماء كلمتين متشابهتين لكن الشاعر أذكى من أن يضع مفردتين مترادفتين فالزرقة الأولى تعني (الحزن) بينما (السماوات) فضاء مفتوح للمدى ..يفصح الشاعر عن ما يعتمل بصدره وما يود أن يطلقه للكون بدأ من :
قولي لها : إنّني رأيته هناك
في أرضه المشحوذة كسكين القصّاب
يجلسُ بين ألف نصلٍ ونصل
ساهماً في الرّيحِ التي تأتي وتمضي
كأنّه أثرٌ قديمٌ مزّقته سياطُ المطر
أرضه .. هنا ندرك عمق النص ومدى رغبة الشاعر بالبوح لكنه بوح يشبه ذات الشاعر بوح شامخ .. الأرض المشحوذة كسكين قصّاب... وهنا نتوقف لنلاحظ أمرين في غاية الأهمية هما معنى الأرض للشاعر فهو رغم رغبته في الحرية (ساهما في الريح التي تأتي وتمضي) فكلمة ساهما تدل على مراقبة واجمة للحركة التي تبعثها الريح من حوله لكنها مراقبة صلبة لا تحمل معنى الأسى الذي يعتمل في صدر من ينظر إلى شيء دون قدرة على امتلاكه كما أنها مراقبة تصدر عن ذات ثابتة بدليل (أثر قديم مزقته سياط المطر) وهذه الجملة تحمل الصمود والتجذر في تلك الأرض رغم أنها أجلسته بين (ألف نصل ونصل)ثم يأتي السر الأخر الذي يريد الشاعر أن يبوح به للوجود ..:
قولي لها : إنني رأيته عارياً في الزمهرير
يأكلُ البردُ أطرافه كدودةٍ عملاقة
لكنّه لا يشتكي ولا يبكي
لأنّه يحلمُ بنارٍ تدفئ أيامه ولياليه
هذا البرد الذي يأكل أطرافه..برد يغلف القلب (ذو الندوب الزرقاء) لكنه حتى في مواجهته يقف صامدا دون شكوى أو بكاء..(لله درك من إنسان) ولكن لم ؟؟ هنا تكمن روعة هذا الصمود بقوة الحلم..الحلم بنار تدفئ أيامه ولياليه... فبمقدار هذا الصمود بمواجهة (الزمهرير والبرد وتآكل الأطراف دون شكوى أو بكاء) بقدر ما كان الحلم عظيما (نار تدفئ) والنار مصدر للدفء وليس أثرا له...وهنا لا نستطيع أن نقرأ عمق الحلم إلا بالنظر إلى عمق الصمود والأسى الذي يعانيه قلب هذا الشاعر...
يحلمُ مثلَ عصفور وحيد
ويحاول أن يُكلّمَ الأشياء
بكلامٍ غير الكلام
يقبسُ من عينيه جمرةَ البوح
وينفخ فيها ..
هنا يبوح الشاعر ببعد آخر لقوة صموده وقوة رغبته بالبوح وعمق (الخرس) بعد يتقابل مع العنوان وذات الشاعر ومفردات الكلمات ... الأرض / الدفء/ ثم البوح... لنقل أن الشاعر فردت حلم هذا الأخرس وحياته دفعة واحدة.. فالأرض تقابل الغربة والدفء تقابل الوحدة و(يكلم الأشياء بكلام غير الكلام) تقابل طموح (الشاعر) وما يصبو إليه في شعره...شعر يكلم الأشياء ويفهم مفردات الكون ويتناغم مع الطبيعة ومع الوجود بغير كلام عادي مطروق ومكرور..يقبس من عينيه جمرة البوح ..هذا البوح الذي يحلم به الشاعر..وينفخ فيها...وكأنه يرغب بلغة غير ذات اللغة التي يتكلم بها الآخرون ومفردات ليست كالمفردات ..شعر لم يقله أحد من قبل (ينفخ بها) أي فعل خلاق هذا الذي يبحث عنه الشاعر ؟؟؟
ناسجاً من خيوط الرُّؤى
جنّةً للأطفال النابضين كالقلوب
صانعاً لهم أراجيحَ من السنا
وأفقاً من العشبِ والنَّدى
إذا هذا هو قلب الشاعر رغم ندوبه ورغم إصراره على (الخرس) ورغم صمته لكنه يحمل للعالم جنته المفقودة بدأ من (الأطفال) وانتهاء بالتوحد بالعشب والندى.. والعشب بما يحمل من خضرة وحياة والندى بما تثير من شذى وتجدد وشفافية كلها كلمات ترتبط بفكرة الشاعر ورؤيته لما يريد أن يقوم به ويبعثه ويتركه أثرا له في هذه الحياة ...
قولي لها : إنّني رأيته هُناك
يضنّ بالكلام
والأنينِ والدّموع
حاضناً أفكاره
وأسرارَهُ الدافئات
كدُرّاجةٍ
تَموت ولا تطير !!
يعود الشاعر ليؤكد على تلك (الأرواح الحرة) وصيته بكلمات توجز هذا المدى الذي حلقنا به وترسم صورة توجز جملة النفّري (أنت معنى الكون) وكأن هذه الفقرة توجز معنى الكون الذي حلق به الشاعر..فالأخرس (يضن بالكلام والأنين والدموع) بكل ما من شأنه أن يشي بما يعتمل في ذاته لكنه ورغم منعه لكل ما يدل على ما به فهو (حاضنا أفكاره) أي أنه ليس كما يظن البعض منكفئا على ذاته متبرما منها بل في قلبه كل ما يحلم به ويريده ويسعى إليه...(أفكاره / أسراره الدافئات) .. لكن الخاتمة رغم روعتها أجفلتني ... وأعادتني مع الشاعر إلى الأرض (وهنا الأرض لا تعني وطن الشاعر) وأنما التراب الذي يربطنا في الذات الفانية وتمنع عنه قدرته الكامنة في روحه على الطيران...
الشاعر خالد الجبور.. أغبطك على نصك هذا الذي أوجز بكلمات شفافة معنى أن تكون شاعرا .. وإنسانا يحلم ..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق