الثلاثاء، 4 نوفمبر 2008

قصيدة (عطر الأحجار) للشاعر أحمد النوباني




عندما قرأت عنوان هذه القصيدة التي تفضل مشكورا الصديق الشاعر احمد النوباني وأرسلها لي قلت أن هذه القصيدة تختار قراءها ربما ...القراء الذين يقتربون منها ولذا حاولت الاقتراب... حاولت فقط ...
وقبل الدخول إلى القراءة يجب أن أتوقف قليلا عند أمر في غاية الأهمية اكتشفته من عدد كبير من القراءات التي قمت بها سواء لقصائد أو لقصص لكتاب اعرفهم ومن مختلف الدول العربية ...
هو أن الكاتب في بعض الكتابات (الكتابات الحقيقية) يتحلل قليلا من قصديته أو تحرره كتابته لتنطلق به نحو ما تريد هي لا ما يريد هو ...

عطر الاحجار

الحجر الذي لا يصدر عطرا هو حجر ميت... والموت لا يقع على الحجر نفسه ولكن على من يمر من جانبه ... فهل كان العنوان هو القصيدة وليس بابها فقط !

تميل مثل سنابل قمح وريح
وتغادر نحو وصولها
في هذه الصورة التي تشبه أحجية حيث أثر الكاتب أن يضع الصفات لا الموصوف و يراقب بحياد تام دون أن يتورط في الصورة لكنه بالفعل فيها تماما ... استطاع أن يقدم لنا توصيفا حقيقيا لما عليه الإنسان ... وهنا أقصد الإنسان العادي... البسيط ....وهنا أجد أن كتابة الشاعر اختلفت في تأملاته قليلا (على الأقل في هذه البداية) حيث تعودت عليه في نصوصه الفلسفية الغوص بعيدا في أعماق النفس والروح المحلقة وليست تلك التي تنتمي إلى التراب.....

سنابل القمح والريح حين تميل هي تسلم قيادها في الحياة إلى قوى أكبر منها وكذلك الإنسان العادي ... و...تغادر نحو وصولها أي تغادر نحو نهايتها ونهايتها الحتمية هي الموت ... وهنا أقول الموت العادي وليس الموت الانتقالي لان الروح العادية لن ترى في الموت غير هذه الحقيقة ... طبعا إذا ما استثنينا الخوف من الموت الذي يجعلنا نتمسك بما هو ابعد من الموت العادي كحقيقة نودها أن تكون في معرض رغبتنا بوقاية أنفسنا من الفناء...
تتحول الأرواح حتى تلك العادية منها إلى أرواح تتوق إلى الهرب والتحايل على الموت بشتى الطرق....لأنها تحاول تحاشي أن الحياة ستتركها في منتصف الطريق وتستمر دونها .... تحاول أن تقتحم حتى تلك الاوقات التي تعلم انها ستكون سعيدة بلا وجودها ....

لا تملك أصابعها كي تلمس القطيفة

هذا دليل أخر على ما ذهبت إليه من أن الإنسان الموصوف هنا هو إنسان عادي ... فكلمة مثل لا تملك أصابعها.. هي دليل أكيد وحقيقي فأن تملك اصابعك هي أن تملك قدرتك على الكلام / الكتابة .... يقول تعالى (علم بالقلم) والقلم هو لغة الاصابع....
وفيما بعد هذه المقدمة يدخل الشاعر إلى مستوى فردي بعد أن اوجد لنا على المستوى الجماعي أي منحى سينحى بالاقتراب وأي ناس سيقترب منهم ... فهم ناس عاديين لا يملكون شخصية محددة (تميل مثل سنابل قمح وريح) و لا يملكون قدرة محددة على القول (لا تملك أصابعها) كي تلمس القطيفة والقطيفة مهما كان معناها فهي شيء حميمي ودافئ ... هذه المقدمة تغري بالاستمرار للوصول إلى مرمى الكلمات التي يحاول فيها الشاعر الابتعاد عن السامي والمقدس إلى الاقتراب من العادي والبسيط.

تجلس و تمثالها القديم
لم يبحث عنها أحد

هل أتت الكلمات بضمير يعود على الإنثى عن قصد ؟؟ لست ادري لكني ساتابع معكم الاكتشاف... هي انثى وحيدة تجلس حبيسة تمثالها القديم وليس معه لان الجملة التالية (لم يبحث عنها أحد) دليل على الوحدة والتوحد وليس التواجد برفقة احد حتى لو كان (تمثالها القديم) هل بهذا يريد أن يجعلنا الشاعر نرثى لحالها ؟؟؟ نتفهم مشاعره نحوها ؟؟؟ نقترب منها ؟؟ ام هو يرصد المشاعر بالمطلق ليقرب الانسان العادي من روحه حتى وإن كانت روحا فانية ؟؟؟ والفناء هنا ليس بمعناه الديني الذي سيثير حفيظة الاخرين ولكن بمعناه المفهوم لدى الشخص ذاته .... فحقيقة الايمان تختلف تماما عما نؤمن به أو نعانيه .... فنحن في لحظات الفاجعة مثلا رغم كل الحقائق التي تقول أن الموت ليس نهاية ... نظنه نهاية ونعاني منه كنهاية ...

يوم نقشت بكل الرسم
عرفتها

إذا تلك الأنثى ليست جامدة تماما لكنها تستطيع أن (تنقش) والنقش غير الكتابة النقش رغم انه يحدث اثرا إلا انه لا يحدث خدوشا على الروح وفي سطح المستحيل الذي نبحث عنه او يبحث عنه الكاتب عبر كتابته السابقة ولكنه نقش يشبه الخربشة ليدلل على التواجد ... كما هي كثير من الكتابات التي نقرأها والتي تقدم لنا قشورا للحياة وليس الحياة وبعضا من الومضات وليس النور ....المعرفة هنا ليست معرفة تامة ولكن تعارف والتعارف غير المعرفة لكني اميل إلى أن هذا التعارف سيصبح معرفة من قبل الكاتب وليس من قبل من نقشت .... لنتابع

من عطر أحجار هناك
تدمع عين خلف البرد
فرق بين الماء وملح
الحزن ينزف منه التراب

الجملة السابقة تغرينا لمعرفة الأنثى التي نقشت ... ففي الجملة السابقة هناك دمع وحزن وتراب وبرد... مفردات نستطيع بكل بساطة أن نحولها إلى تاريخ وافعال ومعاناة .... البرد دائما هو غياب الدفء وغياب الدفء بالضرورة هو غياب الحب والاحبة .... الحزن يدل على الفقد والالم والخوف وكل ما يدعو لبتر الانسان عن دربة الذي يمر بهدوء ... الدموع ... التي بدأ بها الشاعر هذه الصفات وهذا الاقتراب جعلني اوقن ان الدموع وحدها كانت فاتحة الاقتراب وفاتحة لنقل التعارف والتعاطف ايضا وهي فاتحة القصيدة التي جعلت الشاعر يقترب من تلك الارواح العادية ....

اقترب
ونظرت
إلى زمن الكلمات الأولى
لم أكن هناك

هذا المقطع يدل على تورط حقيقي للشاعر وليس مجرد اقتراب عابر .. تراها الدمعة والحزن هو الذي اوجد التعاطف وربما الشفقة التي تولد نوعا من الاقتراب ؟؟ الاقتراب الذي يتبعه نظر وتأمل ؟؟؟؟ لسنا ندري لكن هنا أيضا كلمة تقول الكثير ( لم أكن هناك) هل بدأت تلك الأنثى نقشها قبل أن يقترب منها الشاعر ؟؟؟ إذا التورط حقيقي لا محالة ... يشبه أن نتواجد في زمان ليس لنا فقط لنؤدي دورا ما في حياة لا تعنينا إلا بالقدر الذي يعنينا الدور الذي وجد لنا لنؤديه وسوف نؤديه ... لأننا ببساطة علينا أن نؤديه ...

حين سقطت ترانيمها القديمة
بدأت اسمعها جيداً
حسنا ها هو الشاعر يقودنا عبر سرد خفي وشعري لكنه يقدم لنا الحكاية بتفاصيلها ... السقوط هو الذي أوجد السمع ... نعم لان السقوط دائما يحدث دويا ... يحدث ما يشبه جرس الإنذار الذي يلفت الأنظار فهل لهذا السقوط دوي ؟؟ وأي سقوط جعل السمع يتأهب ؟؟؟ ما الذي حدث ؟؟ وما هو سر الترانيم القديمة ؟؟ هل هي الأقدار التي تسوقنا إلى الحتف ؟؟؟ لا أدري لماذا ربطت السقوط ب الجملة التي تصدرت النص (نحو وصولها) أي نحو نهايتها وموتها ؟؟؟

يخرج الهمس مع ضوء الفجر
تنتقل الصرخات
الضحكات
الأنين

ننتقل كما الشاعر إلى الحكاية من الداخل الآن ... ونصغي معه ... إلى الصرخات والضحكات والأنين ... كل الحكاية تكمن بالإصغاء وكأنه العلاقة الوحيدة التي تؤكد تورط الشاعر بالصورة الكلية التي قدم لها وأدخلنا بها فيما بعد... فماذا اختار السمع دون أي حاسة أخرى ؟؟ هي حاسة الانفصال والاتصال في آن ..حاسة عميقة لكنها منفصلة ... حاسة يشركنا بها بل يورطنا أيضا بالتعاطف الشجي مع روح عادية لكنها تستحق منا التعاطف... روح الإنسان المتعب والتائه عن صوته الداخلي ... صوته الذي فقده منذ البداية ب(لا تملك أصابعها)....

أخرجها من حلم الجير
تعود الريح
إلى زوبعة الدوران
قد لا ينتبه الشاعر نفسه للانفصال الذي أحدثته كلماته حين عبرت عن حقيقة وجودها بعيدا عن وصايته لكنها كلمات تنبئ بالانفصال المتعاطف والماد يده للبعيد.... كأنه بهذا يحاول أن يقدم مساعدة أو يقي عثرة أو يبعد حقيقة ما .... لكن كل تلك الرغبة بالمساعدة تفشل لأن (تعود الريح إلى زوبعة الدوران) فهل هناك منفذ ؟؟ لسنا ندري كما الشاعر لان الجانب المفقود دائما حاضر ...

تسقط من يدها زهرة كانت تتحجر
يعبق معنى الإزهار
يانعة كأنه يوم قطافها
أرنو إليها ... أتعجب

نتابع مع الشاعر ذلك النظر والإصغاء ونتلبس حواسه التي وإن كانت متورطة إلا انها تحتفظ بمسافة ما ... مسافة حقيقية لا تعيها سوى الحواس .. لذا أتت كلمة (أتعجب) لتقول رغما عن الشاعر ما لم يقوله هو عبر كلماته... وكأن المعنى البعيد هو الذي يفرض نفسه بعيدا عما ود الشاعر قوله عبر الكلمات ... المعنى الذي ندركه من أفق كلمة أو حتى حركة ما .. بعيدا عن الجمل الطويلة أو التي تحاول أن تقودنا نحو أبواب مختلفة ....

أصغي أكثر
تمتد يدها
ترسم على ثلج أبيض
نقاط ................... تلامس حد الشعور

هنا يبلغ الانفعال مداه .. ليس من الشاعر وإنما اليد التي ترسم ليس لأنها استطاعت أن تأسره ولكن لأنها استطاعت أن ترسم على البياض .. والبياض هنا ليس روح الشاعر وإنما أفق لا يستطيع حتى الشاعر نفسه التوحد به ... ولكنه وكما سنرى لاحقا سيحاول أن يتخلى عن وجوده المادي ليؤدي دوره الذي تحدثنا عنه مفصلا سابقا في احد منحنيات النص....

أغادر معها
الحلم يذوب
ينساب الأمل الساكن دهراً
ترسمنا الخطوات على الطريق

التورط الحقيقي (أغادر معها) لا ينصب على الذات الأخرى وإنما على مدى ابعد من ذلك هو المدى الأوسع مدى البياض ..مدى (حد الشعور) الذي استطاعت أن تلامسه تلك اليد ... تماما كما نترك مكاننا فقط لنقوم بإعادة بعد الأمور إلى نصابها أو لنؤدي خدمة جليلة كأن نقود أعمى عبر طريق طويل ... وهذا ما قالته الكلمات ذاتها (ترسمنا الخطوات على الطريق) اذا قرر الشاعر أن يتورط ولكن تورط ليس واع ولا يبحث عن مدى أو نهاية لكنه يبحث عن افق ما .. افق لا يدركه تماما لكنه مستعد لخوضه فقط لان هذا ما املته عليه رغبته القديمة نحو تلك الارواح التي بدأت جماعية ثم تفردت عبر ضمير واحد ...

إلى أين
معرفة تسبق عهد الأمنية

قد يكون التورط بدأ متعمدا وواعيا لكنه تورط يرصد في قاع الروح .. روح الشاعر أمرا في غاية الأهمية وهو الإدراك اللاواعي بأن هذا الطريق أصلا ليس له ... ولكنه قرر خوضه لحاجة نفسية أو مادية ... لحاجة تريحه أكثر مما تقود الآخر... وهذا ما يؤكده التساؤل (إلى أين) فلو قدنا مثلا إنسان إلى وجهة ما لعرفنا بالتأكيد إلى أين ... لكن لو قدنا الآخر إلى دربنا نحن لما عرفنا ... خصوصا لو كان دربنا مسبق على رغبتنا بقيادة الآخر... هنا يجب أن نتوقف كثيرا لنفصل التشابك النفسي في ذات الكاتب وفي الحدث الذي تورط فيه لكني لن أتوقف لأني سأدع للقارئ وللكاتب أن يكتشف بنفسه ما أود أن اكتشفه أنا ذاتي حين أتماها مع النص وأعيشه لا كقارئه ولكن كروح تبحر في ذات الشاعر والذات الأخرى وتنفصل عن ذاتها وتتمركز فيها بآن معا...

لأني
لست أدري
هذه الجملة الخاتمة جملة في غاية الوضوح ... توشك أن تحول الكاتب الذي فصل نفسه في البداية عن (السنابل التي تتحرك مع الريح ) ليكون ضمنها بل واحدا منها لا ينفصل عنها ولا ينظر إليها لأنه سينظر إلى ذاته عبرها .. فهل كانت الرحلة رحلة عودة عن الانفصال ... أم هي رحلة معرفة للذات ... أم ... حقا ... لست ادري

ليست هناك تعليقات: