
مثل طائر خذلته أنثاه *
والأنثى سكن والطائر حرية..
عنوان مناسب لنص جميل، في أفق كلماته ما يعبر بنا إلى معان عميقة
إلى أين أمضي ؟
الشمس التي كانت تشرق في سمائي سقطت
و البوصلات التي في يدي أصابها العطب
عما قريب
سيغدو العالم غرفة مظلمة
و أنا لا أزال واقفا هنا
كعربة منسية في المرج
أتحسس ما سيأتي
و أحضن الظلام بعطف العميان
تحت هذه السماء الصغيرة
حالة ضياع يمهد لها النص عبر محورين هما أساس هذا الوجود (الشمس سقطت) مما يعني غياب الزمان(البوصلات أصابها العطب) وهذا غياب للمكان ..مما يمهد للنتيجة التي ستأتي (العالم غرفة مظلمة) هذا التمهيد العميق للمشهد التالي (أنا لا أزال واقفا هنا...كعربة منسية في المرج ..)
وكأن حالة الإنسان الذي يطل علينا من النص شبيهة بحالة الكون الذي فقد إتجاهاته.. لتصغر السماء (السماء الصغيرة) جملة تحمل في طياتها اللوعة مثلما تحمل الثورة والتمرد....
كنت أروض الشقاء
أخبئ الفرح في الجرار
و أرعى في ضيعتي أفكارا هاربة
كنت أجلس على كرسي من خشب قديم
مرتديا منامتي البالية
و في يدي حزمة أوراق
أنظر إلى القمر
أنظر أيضا إلى الكواكب الأخرى
أهرش رأسي قليلا
و أفكر في تغيير العالم
تماما مثل المجانين الكبار.
عبر هذا المقطع يلج الشاعر الحكاية من بدايتها لكن بعمق وكأنه يحاول الاقتراب بنا عبر الكلمات إلى أعماق روحه وأحلامه، يعود بنا إلى البداية لنكتشف معا عمق الخيبة التي جعلته (طائرا خذلته أنثاه) فهاهو يروض الشقاء ويخبئ الفرح ويجلس بارتياح ليبدأه حلمه عبر الكتابة (في يدي حزمة أوراق - أنظر إلى القمر) بذكاء قال الشاعر عبر قليلة موجزة ما استطاع من خلاله تلخيص حلمه الكبير الذي بدأ به ليصل إلى النتيجة التي أعلنها في البدء.
تبا
لقد تشقق سقف الخشب
و تسربت المياه إلى بيتي
تجمدت العصافير في أقفاصها
و الكلمات شاخت فوق الرفوف
الفراشات التي حامت حول سريري ماتت
و هواء الحجرة قد انتحر.
نتابع مع الشاعر رحلته التي استغرقت عمرا ... عمرا عرفناه من نتائجة ومما حل به (تشقق السقف) ..(تسرب المياه ) (تجمد العصافير) (الكلمات التي شاخت) (الفراشات التي حامت ثم ماتت) (هواء الحجرة الذي انتحر) تتابع مدهش السماء والارض والحرية والكلمة والحلم وحتى الهواء ... في هذا المقطع أحكم الشاعر المشهد الذي بدأ ب (تبا) وكأنه يرمي إلينا كل خيبته قبل أن يفصلها لنا...
إلى أين أمضي ؟
الظلام يرقص في حفلة بلا قناع
و الخوف يتسلق أعضائي
كما لو أني جالس
في حديقة تبتلع مقاعدها
شعري غابة أفكار
عيناي ثلاثون عاما من القلق
و أنفي مغارتان باتجاه صخب قديم
شفتاي مطبقتان كمحارة في جوف صخرة
صدري ترن فيه الأضلاع
كقضبان صدئة يتمسك بها قلبي المعتقل
ظهري مسند إلى الماضي
كحائط بلا ساعة
ركبتاي كومتان
من الحجر الرملي الخشن
و يداي أجنحة طائر أفلت للتو من المصيدة
الشلل الرعاش
يشد أطرافي إلى حياة تحتضر
و إلى سلالم لم يعد بوسعي
الوصول إلى نهايتها.
ألى أين أمضي ؟؟ يبدأ الشاعر من نفسه ثم يخرج للوطن... يبدأ من الظلام والخوف الذي يجلل أفقه ثم ينتقل ليفرد لنا ما فعله الظلام والخوف به كإنسان عبر تعداد الخيبات التي تسلقته من جميع أطرافه (شعري، أنفي، شفتاي، صدري، ظهري، ركبتاي،يداي، أطرافي) بدأ من الظلال والخوف وانتهاء بالشلل ..بدأ جالسا وانتهى إلى سلالم لم يعد بوسعه الوصول إلى نهايتها...ليتأتي الجزء الآخر الذي يحكم ما اطبق عليه في هذا الجزء ..
إلى أين أمضي ؟
الكلاب في وطني تخنق الهواء بنباحها
و الطرائد تسقط في أول رحلة صيد
البؤس يعدو أمامي على الرصيف
و الخسة تحدق في من الشرفات
الأشرار هنا يسوقون عربات الورد
و الشياطين يلقنون دروس الإيمان.
عبر انتقالات جميلة ما بين الكون ثم الانسان وما بين الذات ثم الوطن ينتقل الشاعر بسلاسة وخفة ليحملنا على المضي معه قدما لنعرف كيف أصيب طائره بالخذلان.. الكلاب، الطرائد، البؤس، الخسة، الأشرار والشياطين... هاهو الشاعر يفصل أمامنا ما يعتري الوطن كما اسلف ما اعترى جسده من آفات..فكل تلك المفردات هي ما يخنق هواء الوطن وما يخنقه هو شخصيا..
أنت مريض يا وطني
سعالك أسمعه من بعيد
كنهاية رجل خدعته الحرب
عيناك غارتا من طول الانتظار
و قدماك تورمتا
من المشي في طرقات غير سالكة
أنا أضعف منك يا وطني
فلا تتكئ علي طويلا
كما لو أني عكازتك الوحيدة
لم ترأف بي حين قست الأيام
و لم تعلمني درسا واحدا في العناية
فكيف أجلس قرب سريرك الرث
أرتب باقات الزهور
و أحزم رأسك بالمناديل
متوهما أنني أخفف عنك الحمى ؟
ما أجمل هذا المقطع الذي يلتحم به الشاعر بوطنه عبر علاقة حميمة ومتبادلة . صديقين أو ندين اصيبا بالخذلان المتبادل...وفشل كل منهما في أن يقي الآخر مما هو قادم..فكلاهما مريض وكلاهما عاجز عن تقديم ذاته للآخر..
إلى أين أمضي ؟
ذئاب العالم أشد ضراوة
أشد فتكا بالحملان
و أنا أعزل
لا سيف في يدي و لا رصاص
أملك فقط ترسانة أحاسيس
و حصنا عاليا من الكلمات.
ستجني علي هذه النظرة الجامدة
هذا الوعي الحاد بالأشياء
هو الذي سيميتني
و هاته الكلمات المتراصة على الأوراق
أخاف يوما ما أن تدفعني إلى الهاوية.
يبدأ الشاعر هنا بتلاوة خيبته بمرارة رهيبة...سألت نفسي ذات مرة ماذا سأقدم لوطني فقلت (كلماتي وكتاباتي) وسمعت صوتا يأتي من أعماقي محملا بالمرارة والضحك الساخر...
هذا ما سمعه الشاعر أيضا وهذا ما أطلعنا عليه عبر كلماته الساخرة حد المرارة والنابضة بالألم العميق...ترى هل يحذر الشاعر مما هو متأكد من سعيه إليه ؟؟
لماذا تغيرت الألوان في عيني ؟
لماذا صرت أنظر إلى الحياة
كأني أسير حرب ؟
لست المحارب الوحيد
فوق هذه الأرض
أنا فقط لاعب أدوار:
مهرج صغير في حجرة ضيقة
عازف كمان مصاب بالرعاش
مجرد كومبارس في فرقة لا يعرفها أحد
مؤذن في صومعة مهجورة
راو ينسى الحكايات
حارس غابة يهزمه النوم
مروض للثعابين الميتة
دليل أعمى لقافلة تجوب الصحراء
زارع النرجس في الرمال
بائع للكلمات بأثمنة متهاودة
مربي أطفال ودعوا الشمس باكرا
و أيقنوا أنها لن تعود في الغد
أنا فقط مقامر خاسر
تداخلت الأوراق في يدي
و خذلني النرد
أفكاري تغير تنانيرها
كلما أشرقت عليها الشمس
و رهاناتي دائما غامضة
أعيش حياتي
و أستعير حياة أخرى من سواي
أزرع الحب بدل الريح
لكنني دائما أحصد العاصفة
أخال نفسي رجلا من حديد
أتحسس جسدي
فأكتشف أني رجل ثلج.
كم هو حزين ومؤلم ما يعانيه الشاعر الحقيقي في زمن لم يعد يعترف إلا بالزيف ؟؟ كل تلك التشابيه السابقة أتت لتؤكد على مرارة الشاعر وعمق إحساسه بالخذلان ...(أزرع الحب ..أحصد العاصفة) أي خيبة وأي اصرار على المقاومة ؟؟ وكأنه سيزيف الذي لا يكف إبدا محاولاته المضنية ..
أريد أن أصرخ عاليا مثل السوبرانو:
العالم تافه و حقير
العالم نذل و جبان
و أنت أيتها الحياة الصابئة
ماذا فعلت بك حتى ترديني هكذا ؟
كنت نائمة فأيقظتك
داعبتك قليلا
أوقفتك أمام المرآة
مشطت شعرك الأشقر
ألبستك التنورة الزرقاء
أخرجتك من غرفة النوم
و أجلستك على أريكة في الحديقة
رتبت السرير
شمست الشراشف و الملاءات
فرشت منديلا تحت شجر السنديان
و جلسنا نقضم الفطائر و نشرب الشاي
و كطفل أحب للمرة الأولى
حكيت لك كل الحكايا
أغرقتك في شلال من الرومانس
و حاصرتك بكلمات جبران القديمة
أهديتك مزهرية النرجس
و شال الحرير
و رفا من روايات الحب
كنت تبتسمين لي و أنا أهذي
و حين أغمضت عيني
مقتربا كعاشق قديم من وجهك
فتحتهما على الخذلان
اختفيت بعيدا عن رهافتي
مثلما يختفي السمان في أدغال القصب
لم تتركي في يدي سوى بقايا النرجس
و خدر موجع يربك الحواس
ماذا فعلت بك حتى ترديني هكذا ؟
هل كان علي أن أصرخ في وجهك
و ألطخ فستانك بالوحل ؟
هل كان علي أن أشدك من شعرك كالمجنون
و أجرجرك خلفي في الغدران ؟
مقطع آخر يناجي الحياة بالحرقة ذاتها والألم نفسه ... مقطع يحاول فيه الشاعر أن يتلمس ما حوله ..أن ينظر إلى طريقه الذي مشاه .. أن يعرف أو يجد مبررا لما يشعر به من خذلان وألم لكنه ينتهي بالاسئلة ...فقط الاسئلة التي تعلوا نغمتها أو تحنو لكنها أبدا تبقى مشرعة لتغرس في حلق الشاعر الغصة..
إلى أين أمضي ؟
و ماذا أفعل في أرض
تكافئ شتائي بالجفاف ؟
سؤال يطل علينا من قلاع القصيدة من زواياها الحادة... إلى أين امضي (بنفسي) وماذا أفعل (بوطني) في أرض تكافئ شتائي بالجفاف ... سؤال يحمل الغصة كاملة ويتركها أمامنا كالمتخفف من حمله ... قليلا ..قبل أن يعلن موت قدماه..
لا شيء
وتأتي الإجابة ... لا شيء... وكأنه يترك لنا العاصفة السابقة عبر كلماته المختارة بعناية ومقاطع قصيدته ليقول لنا تأملوها وتأملوني...أنا المشدود إلى هذه الساقية أبقى أدور فيها... أنا المصلوب حتى أبد الآبدين ... لا شيء... كم هي حادة وقاتلة تلك الكلمة التي نتعثر بها كلما انكسرت أحلامنا وقتلتنا....
غير أني سأواصل تغريدي كالعادة
حاملا قناديلي المطفأة في ليل لا ينتهي
و بقليل من الضوء الذي يلمع في عيني
سأخترق الظلام
و حين يستبد بي التعب
و تنتهي حربي
مع طواحين الماء و النار و الهواء
سأجلس و حيدا
مثل قائد روماني غرير
في قصر لم يعد فيه سوى صرير الدروع
و صخب التماثيل
و عرش قديم يعتليه الزنجار
أتكئ على خوذتي
أترك صدري عاريا
و أعلق قميصي على الأطلال
ربما تجففه الشمس من الخطايا
أضع قدما على قدم
و أملأ الخراب من حولي بالصفير
و بابتسامة باردة
سأنظر إليك أيتها الحياة
مثلما ينظر طفل إلى زهرة غاردينيا
يدوسها جندي معتوه
حتما ستلوحين لي يوما ما
و يضيع صوتك في المناداة
غير أني سأدير لك ظهري
و أواصل تغريدي كالعادة
حتى لو كانت ألحاني مؤلمة
فسأغرد للأبد
مثل طائر خذلته أنثاه.
مدهش وجميل هذا العالم الذي قدمه لنا الشاعر عبر قصيدته التي استعرضت لنا عالمه كاملا ..لنشعر معه بمعنى تلك الجملة (العنوان) مثل طائر خذلته أنثاه...ليتركنا بعد قراءة القصيدة نفر بفزع ونصرخ بالفراغ... ولن يجيب أحد... لأننا تقمصنا الطائر الذي غرد وحيدا للأبد..
والأنثى سكن والطائر حرية..
عنوان مناسب لنص جميل، في أفق كلماته ما يعبر بنا إلى معان عميقة
إلى أين أمضي ؟
الشمس التي كانت تشرق في سمائي سقطت
و البوصلات التي في يدي أصابها العطب
عما قريب
سيغدو العالم غرفة مظلمة
و أنا لا أزال واقفا هنا
كعربة منسية في المرج
أتحسس ما سيأتي
و أحضن الظلام بعطف العميان
تحت هذه السماء الصغيرة
حالة ضياع يمهد لها النص عبر محورين هما أساس هذا الوجود (الشمس سقطت) مما يعني غياب الزمان(البوصلات أصابها العطب) وهذا غياب للمكان ..مما يمهد للنتيجة التي ستأتي (العالم غرفة مظلمة) هذا التمهيد العميق للمشهد التالي (أنا لا أزال واقفا هنا...كعربة منسية في المرج ..)
وكأن حالة الإنسان الذي يطل علينا من النص شبيهة بحالة الكون الذي فقد إتجاهاته.. لتصغر السماء (السماء الصغيرة) جملة تحمل في طياتها اللوعة مثلما تحمل الثورة والتمرد....
كنت أروض الشقاء
أخبئ الفرح في الجرار
و أرعى في ضيعتي أفكارا هاربة
كنت أجلس على كرسي من خشب قديم
مرتديا منامتي البالية
و في يدي حزمة أوراق
أنظر إلى القمر
أنظر أيضا إلى الكواكب الأخرى
أهرش رأسي قليلا
و أفكر في تغيير العالم
تماما مثل المجانين الكبار.
عبر هذا المقطع يلج الشاعر الحكاية من بدايتها لكن بعمق وكأنه يحاول الاقتراب بنا عبر الكلمات إلى أعماق روحه وأحلامه، يعود بنا إلى البداية لنكتشف معا عمق الخيبة التي جعلته (طائرا خذلته أنثاه) فهاهو يروض الشقاء ويخبئ الفرح ويجلس بارتياح ليبدأه حلمه عبر الكتابة (في يدي حزمة أوراق - أنظر إلى القمر) بذكاء قال الشاعر عبر قليلة موجزة ما استطاع من خلاله تلخيص حلمه الكبير الذي بدأ به ليصل إلى النتيجة التي أعلنها في البدء.
تبا
لقد تشقق سقف الخشب
و تسربت المياه إلى بيتي
تجمدت العصافير في أقفاصها
و الكلمات شاخت فوق الرفوف
الفراشات التي حامت حول سريري ماتت
و هواء الحجرة قد انتحر.
نتابع مع الشاعر رحلته التي استغرقت عمرا ... عمرا عرفناه من نتائجة ومما حل به (تشقق السقف) ..(تسرب المياه ) (تجمد العصافير) (الكلمات التي شاخت) (الفراشات التي حامت ثم ماتت) (هواء الحجرة الذي انتحر) تتابع مدهش السماء والارض والحرية والكلمة والحلم وحتى الهواء ... في هذا المقطع أحكم الشاعر المشهد الذي بدأ ب (تبا) وكأنه يرمي إلينا كل خيبته قبل أن يفصلها لنا...
إلى أين أمضي ؟
الظلام يرقص في حفلة بلا قناع
و الخوف يتسلق أعضائي
كما لو أني جالس
في حديقة تبتلع مقاعدها
شعري غابة أفكار
عيناي ثلاثون عاما من القلق
و أنفي مغارتان باتجاه صخب قديم
شفتاي مطبقتان كمحارة في جوف صخرة
صدري ترن فيه الأضلاع
كقضبان صدئة يتمسك بها قلبي المعتقل
ظهري مسند إلى الماضي
كحائط بلا ساعة
ركبتاي كومتان
من الحجر الرملي الخشن
و يداي أجنحة طائر أفلت للتو من المصيدة
الشلل الرعاش
يشد أطرافي إلى حياة تحتضر
و إلى سلالم لم يعد بوسعي
الوصول إلى نهايتها.
ألى أين أمضي ؟؟ يبدأ الشاعر من نفسه ثم يخرج للوطن... يبدأ من الظلام والخوف الذي يجلل أفقه ثم ينتقل ليفرد لنا ما فعله الظلام والخوف به كإنسان عبر تعداد الخيبات التي تسلقته من جميع أطرافه (شعري، أنفي، شفتاي، صدري، ظهري، ركبتاي،يداي، أطرافي) بدأ من الظلال والخوف وانتهاء بالشلل ..بدأ جالسا وانتهى إلى سلالم لم يعد بوسعه الوصول إلى نهايتها...ليتأتي الجزء الآخر الذي يحكم ما اطبق عليه في هذا الجزء ..
إلى أين أمضي ؟
الكلاب في وطني تخنق الهواء بنباحها
و الطرائد تسقط في أول رحلة صيد
البؤس يعدو أمامي على الرصيف
و الخسة تحدق في من الشرفات
الأشرار هنا يسوقون عربات الورد
و الشياطين يلقنون دروس الإيمان.
عبر انتقالات جميلة ما بين الكون ثم الانسان وما بين الذات ثم الوطن ينتقل الشاعر بسلاسة وخفة ليحملنا على المضي معه قدما لنعرف كيف أصيب طائره بالخذلان.. الكلاب، الطرائد، البؤس، الخسة، الأشرار والشياطين... هاهو الشاعر يفصل أمامنا ما يعتري الوطن كما اسلف ما اعترى جسده من آفات..فكل تلك المفردات هي ما يخنق هواء الوطن وما يخنقه هو شخصيا..
أنت مريض يا وطني
سعالك أسمعه من بعيد
كنهاية رجل خدعته الحرب
عيناك غارتا من طول الانتظار
و قدماك تورمتا
من المشي في طرقات غير سالكة
أنا أضعف منك يا وطني
فلا تتكئ علي طويلا
كما لو أني عكازتك الوحيدة
لم ترأف بي حين قست الأيام
و لم تعلمني درسا واحدا في العناية
فكيف أجلس قرب سريرك الرث
أرتب باقات الزهور
و أحزم رأسك بالمناديل
متوهما أنني أخفف عنك الحمى ؟
ما أجمل هذا المقطع الذي يلتحم به الشاعر بوطنه عبر علاقة حميمة ومتبادلة . صديقين أو ندين اصيبا بالخذلان المتبادل...وفشل كل منهما في أن يقي الآخر مما هو قادم..فكلاهما مريض وكلاهما عاجز عن تقديم ذاته للآخر..
إلى أين أمضي ؟
ذئاب العالم أشد ضراوة
أشد فتكا بالحملان
و أنا أعزل
لا سيف في يدي و لا رصاص
أملك فقط ترسانة أحاسيس
و حصنا عاليا من الكلمات.
ستجني علي هذه النظرة الجامدة
هذا الوعي الحاد بالأشياء
هو الذي سيميتني
و هاته الكلمات المتراصة على الأوراق
أخاف يوما ما أن تدفعني إلى الهاوية.
يبدأ الشاعر هنا بتلاوة خيبته بمرارة رهيبة...سألت نفسي ذات مرة ماذا سأقدم لوطني فقلت (كلماتي وكتاباتي) وسمعت صوتا يأتي من أعماقي محملا بالمرارة والضحك الساخر...
هذا ما سمعه الشاعر أيضا وهذا ما أطلعنا عليه عبر كلماته الساخرة حد المرارة والنابضة بالألم العميق...ترى هل يحذر الشاعر مما هو متأكد من سعيه إليه ؟؟
لماذا تغيرت الألوان في عيني ؟
لماذا صرت أنظر إلى الحياة
كأني أسير حرب ؟
لست المحارب الوحيد
فوق هذه الأرض
أنا فقط لاعب أدوار:
مهرج صغير في حجرة ضيقة
عازف كمان مصاب بالرعاش
مجرد كومبارس في فرقة لا يعرفها أحد
مؤذن في صومعة مهجورة
راو ينسى الحكايات
حارس غابة يهزمه النوم
مروض للثعابين الميتة
دليل أعمى لقافلة تجوب الصحراء
زارع النرجس في الرمال
بائع للكلمات بأثمنة متهاودة
مربي أطفال ودعوا الشمس باكرا
و أيقنوا أنها لن تعود في الغد
أنا فقط مقامر خاسر
تداخلت الأوراق في يدي
و خذلني النرد
أفكاري تغير تنانيرها
كلما أشرقت عليها الشمس
و رهاناتي دائما غامضة
أعيش حياتي
و أستعير حياة أخرى من سواي
أزرع الحب بدل الريح
لكنني دائما أحصد العاصفة
أخال نفسي رجلا من حديد
أتحسس جسدي
فأكتشف أني رجل ثلج.
كم هو حزين ومؤلم ما يعانيه الشاعر الحقيقي في زمن لم يعد يعترف إلا بالزيف ؟؟ كل تلك التشابيه السابقة أتت لتؤكد على مرارة الشاعر وعمق إحساسه بالخذلان ...(أزرع الحب ..أحصد العاصفة) أي خيبة وأي اصرار على المقاومة ؟؟ وكأنه سيزيف الذي لا يكف إبدا محاولاته المضنية ..
أريد أن أصرخ عاليا مثل السوبرانو:
العالم تافه و حقير
العالم نذل و جبان
و أنت أيتها الحياة الصابئة
ماذا فعلت بك حتى ترديني هكذا ؟
كنت نائمة فأيقظتك
داعبتك قليلا
أوقفتك أمام المرآة
مشطت شعرك الأشقر
ألبستك التنورة الزرقاء
أخرجتك من غرفة النوم
و أجلستك على أريكة في الحديقة
رتبت السرير
شمست الشراشف و الملاءات
فرشت منديلا تحت شجر السنديان
و جلسنا نقضم الفطائر و نشرب الشاي
و كطفل أحب للمرة الأولى
حكيت لك كل الحكايا
أغرقتك في شلال من الرومانس
و حاصرتك بكلمات جبران القديمة
أهديتك مزهرية النرجس
و شال الحرير
و رفا من روايات الحب
كنت تبتسمين لي و أنا أهذي
و حين أغمضت عيني
مقتربا كعاشق قديم من وجهك
فتحتهما على الخذلان
اختفيت بعيدا عن رهافتي
مثلما يختفي السمان في أدغال القصب
لم تتركي في يدي سوى بقايا النرجس
و خدر موجع يربك الحواس
ماذا فعلت بك حتى ترديني هكذا ؟
هل كان علي أن أصرخ في وجهك
و ألطخ فستانك بالوحل ؟
هل كان علي أن أشدك من شعرك كالمجنون
و أجرجرك خلفي في الغدران ؟
مقطع آخر يناجي الحياة بالحرقة ذاتها والألم نفسه ... مقطع يحاول فيه الشاعر أن يتلمس ما حوله ..أن ينظر إلى طريقه الذي مشاه .. أن يعرف أو يجد مبررا لما يشعر به من خذلان وألم لكنه ينتهي بالاسئلة ...فقط الاسئلة التي تعلوا نغمتها أو تحنو لكنها أبدا تبقى مشرعة لتغرس في حلق الشاعر الغصة..
إلى أين أمضي ؟
و ماذا أفعل في أرض
تكافئ شتائي بالجفاف ؟
سؤال يطل علينا من قلاع القصيدة من زواياها الحادة... إلى أين امضي (بنفسي) وماذا أفعل (بوطني) في أرض تكافئ شتائي بالجفاف ... سؤال يحمل الغصة كاملة ويتركها أمامنا كالمتخفف من حمله ... قليلا ..قبل أن يعلن موت قدماه..
لا شيء
وتأتي الإجابة ... لا شيء... وكأنه يترك لنا العاصفة السابقة عبر كلماته المختارة بعناية ومقاطع قصيدته ليقول لنا تأملوها وتأملوني...أنا المشدود إلى هذه الساقية أبقى أدور فيها... أنا المصلوب حتى أبد الآبدين ... لا شيء... كم هي حادة وقاتلة تلك الكلمة التي نتعثر بها كلما انكسرت أحلامنا وقتلتنا....
غير أني سأواصل تغريدي كالعادة
حاملا قناديلي المطفأة في ليل لا ينتهي
و بقليل من الضوء الذي يلمع في عيني
سأخترق الظلام
و حين يستبد بي التعب
و تنتهي حربي
مع طواحين الماء و النار و الهواء
سأجلس و حيدا
مثل قائد روماني غرير
في قصر لم يعد فيه سوى صرير الدروع
و صخب التماثيل
و عرش قديم يعتليه الزنجار
أتكئ على خوذتي
أترك صدري عاريا
و أعلق قميصي على الأطلال
ربما تجففه الشمس من الخطايا
أضع قدما على قدم
و أملأ الخراب من حولي بالصفير
و بابتسامة باردة
سأنظر إليك أيتها الحياة
مثلما ينظر طفل إلى زهرة غاردينيا
يدوسها جندي معتوه
حتما ستلوحين لي يوما ما
و يضيع صوتك في المناداة
غير أني سأدير لك ظهري
و أواصل تغريدي كالعادة
حتى لو كانت ألحاني مؤلمة
فسأغرد للأبد
مثل طائر خذلته أنثاه.
مدهش وجميل هذا العالم الذي قدمه لنا الشاعر عبر قصيدته التي استعرضت لنا عالمه كاملا ..لنشعر معه بمعنى تلك الجملة (العنوان) مثل طائر خذلته أنثاه...ليتركنا بعد قراءة القصيدة نفر بفزع ونصرخ بالفراغ... ولن يجيب أحد... لأننا تقمصنا الطائر الذي غرد وحيدا للأبد..
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق